طيف ذكراه
يحيى بن حمد الناعبي
في صباح يوم الأحد الماضي، ذهبت لزيارة أختي الغالية في بركاء، استعدادًا لأخذ أمي إلى موعد في المجمع الطبي العسكري في الخوض. وخلال جلوسي مع ابنها الغالي المرداس، وسؤالي عن دراسته في جامعة السلطان قابوس، ورحلته اليومية إلى ذلك الصرح العلمي العظيم، واستقلاله لسيارته الجميلة بجمال قلبه وأخلاقه العالية، سألته عن الاختصارات التي يسلكها للوصول في زمن قياسي هروبًا من زحمة الطرق الخانقة خلال ساعات الذروة، فأسرّ إليّ بأنه يسلك طريق الخوض القديمة تفاديًا للزحمة في الطريق السريع المؤدي إلى الجامعة.
اتبعت نصيحته الغالية، وسلكت ذلك الطريق الجميل المؤدي إلى قرية الخوض القديمة، الجميلة بمن سكن فيها.
استوقفتني لحظات من التأمل عند مروري بمقبرة السيب العامة، والتي يرقد فيها غالٍ علينا جميعًا، ألا وهو عبدالله، أخي وسندي ووحيدي في هذه الحياة، حيث تربينا سويًا في كنف عائلة مكونة من الأب والأم وابنين وثلاث أخوات، حافظاتٍ للمودة، وساعياتٍ للخير.
أخبرت أمي الغالية بأن هذه المقبرة تضم قبر أخي، فسألتني: هل فعلًا قد دُفن هنا؟ فأجبتها: نعم يا عزيزتي. فتحسّرت ودمعت عيناها، وقالت: كل وقتي وأنا أفكر فيه، ويقضّ مضجعي عندما أتذكره. وأنا كذلك اغرورقت عيناي عندما مررت بالمقبرة، فطيف ذكراه لا يفارق خيالي دائمًا وأبدًا.
كيف لا، وهو وحيدي وسندي وذخري وفخري، أفطر وأصوم على ذكراه، ولا يمكنني نسيانه ما دامت الروح في جسدي. أصبّر نفسي وأصبّر غيري من أبنائه وزوجته وأخواته وكل محبوب لدينا، ولكنها المودة والمحبة التي كانت ولا زالت بيننا حتى بعد مماته بثلاث سنوات قد خلت، ولكنني لم ولن أنساه أبدًا، وأتذكر كل لحظة قضيناها معًا على هذه البسيطة، بحلوها ومرّها، بلحظات السعادة التي عشناها، وبلحظات الحزن التي تجرّعنا مرارتها سويًا عند فقدنا لكل عزيز علينا، وآخرهم كان أبي الغالي.
فكان رحيله عنا صعبًا ومؤلمًا، تجرّعنا مرارته، فكان الأب الحنون المضحي بكل شيء لأجلنا، ضحّى بالغالي والنفيس لأجلنا حتى آخر نفس من حياته. كان ينظر إليّ قبل دخوله إلى غرفة العمليات في المستشفى السلطاني وكأنه يتوسل إليّ ألا أتركه وحده، ولكن قدر الله آتٍ لا محالة. وبعد التوكل على الله، قمت بالتوقيع على ورقة الموافقة على العملية التي قررها الأطباء لفتح الشرايين، حيث أُجريت له العملية وكان النجاح حليفها.
وبعدها أُدخل إلى العناية المركزة لفترة وجيزة لم تتعدَّ تسعة أيام، تذوقنا خلالها أقسى لحظات الانتظار والتأمل والرجاء والدعوات بالشفاء للوالد الغالي، ولكنها الإرادة الإلهية بأن يكون بجوار ربه وفي ضيافته.
حيث تلقيت اتصالًا هاتفيًا من المستشفى بأن والدنا قد غادر الحياة، فاتصلت مهاتفًا أخي الغالي مخبرًا إياه بالخبر الأليم، حيث انفجر باكيًا لهول ما سمع. لم نتمالك أنفسنا سويًا، وأجهشنا بالبكاء في فقد والدنا العزيز.
لم تمضِ سوى أشهر بسيطة حتى ابتُلي أخي الغالي بالمرض الخبيث، وبدأ رحلة العلاج التي لم تتعدَّ السنة والنصف، حتى وصل القدر المحتوم الذي لا مفر منه. فقد عانى كثيرًا من ذلك المرض، وكان مؤلمًا جدًا له ولنا، فكنا نصبّره ونصبّر أنفسنا، وكنا نتأمل شفاءه ونؤمل أنفسنا بالشفاء.
وفي يوم الوفاة، اتصلوا بي للحضور من الساعة العاشرة صباحًا؛ لأنه قد بدأ بالاحتضار، فيالها من ساعات، بل دقائق صعبة، مرت علينا جميعًا من الصباح وحتى مغرب ذلك اليوم، حيث فاضت روحه الطاهرة لبارئها في لحظات لم أستطع وصفها ولا تحملها، بحضور أمي وأختي.
ففقد الأخ لا يعوضه شيء أبدًا، حتى لو تظاهر بعض الناس بأنهم إخوانك ويقفون بجانبك ويعوضونك ذلك الفقد الأليم؛ لأنها أحيانًا كثيرة لا تلبث أن تزول بسرعة البرق؛ لأنها مجرد تعزية للنفس ومواساتها من أناس لا يودونك بل يجاملونك.
وعلى النقيض، وجدت إخوانًا لي يعوضونني قدر استطاعتهم فقد أخي الغالي.
ونصيحتي لكل من لديه أخ أن يتمسك به ولا يفقده، حتى لا يندم ولات حين ندم.



