مقالات صحفية

غياب النور

  صالح بن سعيد الحمداني

في يومنا خلال حياتنا التي نمارس فيها مختلف الأمور وفي تسارع التقنية وتزدحم حياتنا بالمؤثرات برزت لنا جليًا ظاهرة لافتة تتمثل في التعلق الكبير بالهاتف المحمول، حيث أصبح رفيق الإنسان في يقظته ونومه، في عمله وراحته، وفي لحظات حضوره بين الناس وخلوته بنفسه، وفي المقابل نجد تراجع حضور المصحف في حياة كثيرين إلا من رحم الله، وأصبح في بعض البيوت موضوعًا على الرفوف أكثر من كونه رفيقًا يوميًا للقراءة والتدبر، وهنا يبرز تساؤل مهم “أيهما أسهل فتحًا في يومنا هذا الهاتف أم المصحف؟ وأيهما أكثر استخدامًا المصحف أم الهاتف؟” ثم يأتي السؤال الأعمق “ما لنا كيف نحكم؟”

الهاتف اليوم أداة متعددة الوظائف يجمع الاتصال والأخبار والترفيه والعمل والتعليم والتسوق، ولذلك ارتبط الناس به ارتباطًا وثيقًا، يكاد الإنسان يفتح هاتفه عشرات المرات في اليوم بل ربما مئات المرات دون شعور، يستيقظ البعض على صوته، وينام على ضوئه، ويتفقده قبل أن يغسل وجهه أو يلقي التحية على أهله، أصبح الهاتف نافذة مفتوحة باستمرار، تستدعي الانتباه وتسرق الوقت وتنافس كل شيء آخر في حياة الإنسان، وفي الجانب الآخر نجد أن المصحف وهو كتاب الهداية والنور والطمأنينة، تراجع حضوره لدى بعض الناس، رغم سهولة الوصول إليه سواء بنسخته الورقية أو الإلكترونية، وقد يمر يوم كامل أو أيام عدة دون أن يفتحه البعض، بينما يفتح هاتفه في الساعة الواحدة مرات كثيرة، هذه المفارقة تدعو إلى التأمل؛ فالإنسان يشكو من القلق والضيق وتشتت الذهن، ثم يبتعد عن المصدر الذي يمنحه السكينة والاتزان.

إذا سألنا “أيهما أسهل فتحًا الهاتف أم المصحف؟” فإن الجواب الظاهري أن الهاتف أسهل، لأنه في الجيب أو اليد دائمًا، ويُفتح بلمسة واحدة، لكن الحقيقة الأعمق أن فتح المصحف أسهل لمن صدقت نيته، لأن الأمر لا يحتاج إلا إلى قرار صادق ودقائق معدودة، فالعائق الحقيقي ليس في اليد، إنما في النفس والعادة والانشغال، كثيرون يجدون الوقت الطويل لتصفح التطبيقات ومتابعة المقاطع والتنقل بين الأخبار، لكنهم يستثقلون دقائق يسيرة مع كتاب الله، وأما إذا سألنا “أيهما أكثر استخدامًا في يومنا المصحف أم الهاتف؟” فالواقع يشهد بأن الهاتف يتصدر المشهد بلا منازع، متوسط استخدام الهاتف لدى كثير من الناس يمتد لساعات يومية، بينما لا ينال المصحف إلا دقائق محدودة، وربما لا ينال شيئًا عند بعضهم، وهذا الاختلال في ترتيب الأولويات يكشف أزمة أعمق من مجرد عادة استخدام، إذ يعكس تحوّلًا في مركز الاهتمام والانشغال.

الهاتف في ذاته ليس عدوًا فهو نعمة إذا استُخدم فيما ينفع، ويمكن أن يكون وسيلة للعلم وصلة الرحم وكسب الرزق وخدمة الدين، بل ويمكن أن يحمل المصحف نفسه داخل تطبيقات ميسرة، المشكلة ليست في الجهاز، وإنما في هيمنته على الوقت والعقل، حتى أصبح كثيرون أسرى للإشعارات والتنبيهات والمحتوى المتجدد الذي لا ينتهي، إن الخطر يبدأ حين يتحول الهاتف من أداة في يد الإنسان إلى سيدٍ يوجّه يومه ومزاجه وأفكاره، وأما هجر المصحف فله صور متعددة منها هجر التلاوة، وهجر التدبر، وهجر العمل بما فيه، وهجر الاستشفاء بنوره، وقد يقرأ البعض آيات متفرقة دون حضور قلب، وقد يكتفي آخرون بسماع عابر دون أثر عملي، والمطلوب ليس مجرد فتح المصحف، بل أن يعود إلى مكانه الطبيعي في حياة المسلم “مصدرًا للهداية اليومية، ورفيقًا للروح، ومنهجًا للسلوك.”

حين نتساءل “ما لنا كيف نحكم؟” فإننا نستعير سؤالًا يهز الضمير، لأن الحكم على الأشياء يظهر من خلال أفعالنا لا أقوالنا، إذا قلنا إن القرآن عظيم ثم هجرناه، وإن الوقت ثمين ثم أهدرناه، وإن الراحة مطلب ثم بحثنا عنها في أسباب القلق، فهنا موضع المراجعة، كيف نقدّم ما يشتت أرواحنا على ما يحييها؟ وكيف نمنح الساعات للشاشات ونبخل بالدقائق على كتاب ربنا؟ والحل لا يكون بإلغاء الهاتف أو رفض التقنية، بل بإعادة التوازن، يمكن للإنسان أن يبدأ بخطوات بسيطة تخصيص وقت ثابت يوميًا لقراءة المصحف، ولو عشر دقائق بعد الفجر أو قبل النوم، وإغلاق الهاتف أثناء القراءة، وتفعيل تطبيقات التذكير بالورد اليومي، واستبدال بعض وقت التصفح بسماع التلاوة أو تفسير مختصر، ومع الأيام تتحول الدقائق إلى عادة، والعادة إلى نور مستمر.

كما أن الأسرة لها دور كبير حين يرى الأبناء المصحف حاضرًا في البيت، والوالدين يقرآن ويتدبران، يدركون أن هذا الكتاب لم يكن للحظة زينة توضع على الرف وإنما حياة تُعاش، والمدرسة والمسجد والإعلام مطالبون كذلك بتعزيز الصلة بالقرآن بلغة معاصرة مؤثرة، تُخاطب واقع الناس وتحدياتهم، ويبقى السؤال قائمًا أمام كل واحد منا كم مرة فتحت هاتفي اليوم؟ وكم مرة فتحت المصحف؟ وكم ساعة منحت للشاشة؟ وكم دقيقة منحت لقلبك؟ فالقضية ليست مقارنة بين جهاز وكتاب ولكنها في الحقيقة مقارنة بين ما يستهلك العمر وما يبني الروح، ومن أحسن الحكم عرف أن الهاتف وسيلة، وأن المصحف هداية، وأن الإنسان الرشيد هو من يجعل الوسيلة في مكانها، ويجعل الهداية في صدر أولوياته.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights