الخميس: 16 أبريل 2026م - العدد رقم 2887
مقالات صحفية

القولون العصبي..صرخة الجسد من ضجيج النفس

د. سعود ساطي السويهري
استشاري العلاج النفسي

يُعد القولون العصبي من أكثر أمراض العصر انتشاراً، خاصة في السنوات الأخيرة، لكن اللافت في هذا المرض أنه ليس مجرد “وجع بطن” أو اضطراب هضمي عابر، بل حالة معقدة تجمع بين ألم الجسد وضجيج النفس. فهل فكرت يوماً لماذا تزداد آلام قولونك قبل لقاء شخص ما، أو امتحان مهم، أو مقابلة عمل مصيرية؟

ولفهم العلاقة بين القولون والنفس، يمكن القول إن هذه العلاقة تبادلية؛ فالدماغ والجهاز الهضمي مرتبطان بشبكة أعصاب مباشرة، تجعل القولون يتأثر بكل فكرة تقلقك. فعندما تشعر بالتوتر أو العصبية، يرسل الدماغ إشارات كيميائية فورية إلى الأمعاء تؤدي إلى تشنج عضلاتها (مغص وانتفاخ). وفي المقابل، فإن استمرار ألم القولون المزعج يضغط على أعصابك، ويزيد من شعورك بالقلق أو الوسواس من المرض، لتدخل في حلقة مفرغة تبدأ من رأسك وتنتهي في بطنك، والعكس صحيح.

ويذكر المختصون أن القولون العصبي حالة يتفاعل فيها الجهاز الهضمي بطريقة غير طبيعية مع بعض الأطعمة، أو – وهو الأهم – عند التعرض لضغوط نفسية شديدة. والعلاقة هنا طردية؛ فالقلق يثير القولون، والقولون يرسل إشارات مزعجة إلى الدماغ تزيد من حالة التوتر. وأخطر ما في القولون العصبي هو ارتباطه الوثيق بالاضطرابات النفسية؛ فالحالات المتقدمة قد لا تقف عند حدود الشعور بالضيق، بل قد تتطور إلى الوسواس القهري، حيث يتحول التوتر المستمر إلى أفكار ملحّة ومخاوف لا تنتهي، بالإضافة إلى الاكتئاب الذي قد ينشأ نتيجة الألم المزمن وعدم القدرة على ممارسة الحياة الاجتماعية بشكل طبيعي. كما قد يصل الأمر إلى الانسحاب الاجتماعي، إذ يجد المصاب نفسه مضطراً للبقاء وحيداً أو ترك العمل بسبب نوبات الألم المفاجئة وما يصاحبها من حرج.

ولكن كيف تعرف أن قولونك عصبي وليس عضوياً فقط؟ تظهر الأعراض النفسية للقولون بوضوح من خلال عدة علامات، منها: الشعور الدائم بالحزن أو الضيق دون سبب واضح، اضطرابات النوم، صعوبة التركيز، زيادة ضربات القلب وسرعة التنفس عند التوتر، وفقدان الشهية أو العكس تماماً. وتشير الإحصاءات إلى أن النساء أكثر عرضة للإصابة بالقولون العصبي بنسبة تصل إلى ثلاثة أضعاف الرجال، ويُعزى ذلك إلى طبيعة الهرمونات وسرعة تقلب المزاج، خاصة في فترات مثل الحمل، مما يجعل الجهاز الهضمي أكثر حساسية للضغوط.

أيها القارئ العزيز، إن العلاج لا يبدأ فقط من الصيدلية بأدوية تنظيم حركة الأمعاء، بل يبدأ من الداخل؛ ففهم المريض أن حالته مرتبطة بضغوط الحياة يمثل نصف الطريق نحو التعافي. لذا ينصح الخبراء بالموازنة بين الغذاء الصحي وتقنيات الاسترخاء، والابتعاد عن مسببات القلق. فقولونك مرآة لحالتك النفسية؛ فإذا أردت أن تهدأ أمعاؤك، ابدأ بتهدئة عقلك وتنظيم حالتك الوجدانية أولاً.

وإليك النصيحة النفسية الجسدية الأهم: أن تفرغ مشاعرك بالكلمات قبل أن يترجمها قولونك بصرخات الألم. فهناك قاعدة ذهبية تقول: “ما لا ينطق به اللسان، يتحدث به الجسد”. والقولون العصبي غالباً ما يكون مخزناً للمشاعر المكبوتة؛ فالتوتر الذي تخفيه، والغضب الذي تكتمه، والقلق الذي تحاول تجاهله لا يختفي، بل يتحول إلى شحنات متراكمة تؤثر في أمعائك وتسبب التشنج والانتفاخ. لذلك لا تحبس ضيقك داخلك؛ بل جرّب الكتابة، أو التحدث مع صديق، أو ممارسة رياضة بسيطة لتفريغ الطاقة السلبية. فعندما تعطي مشاعرك مخرجاً آمناً، فإنك تعفي قولونك من القيام بدور “صمام الأمان” الذي ينفجر بالألم نيابة عنك.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights