تهنئة
السبت: 06 يونيو 2026م - العدد رقم 2938
مقالات صحفية

إلى المربي الرقمي: التربية ليست للبيع!!

(الجزء الثاني)

سالمة بنت هلال الراسبية ـ كاتبة وباحثة تربوية أول ـ قسم التوعية والإرشاد الطلابي ـ بتعليمية جنوب الشرقية

(الجزء الثاني)

استكمالا للجزء الأول من مقالي السابق الذي جاء بعنوان (إلى المربي الرقمي: التربية ليست للبيع!!)، أورد لكم ما تبقى من هذا المقال في هذا الجزء، وهو الجزء الثاني، فأقول:
إن هذه التجاوزات ترسل إشارات، وكأن الجهات المسؤولة تمنحه غطاء ضمنيا، مما يمنح هذه الممارسات شرعية زائفة في أعين النشء. وعليه، يقع على عاتق المسؤولين في المؤسسات التربوية والهيئات الرقابية واجب التدخل الفوري والحازم، عبر تفعيل الرقابة الصارمة، والمساءلة الحازمة، وفرض حد قاطع لكل تجاوز خارج الحدود الأخلاقية والمهنية، حفاظا على القيم، واستقرار المجتمع، ومستقبل الأجيال القادمة.
وما يزيد المشهد قسوة أن كثيرا من هذه الانحرافات لم يعد دافعها الجهل أو الخطأ العابر، بل اللهاث المحموم وراء المال والشهرة على حساب القيم، في انحدار خطير يختزل الرسالة التربوية في مكاسب رقمية عابرة لا تساوي ما تحدثه من ضرر عميق في وعي الأجيال، ويزيد من انتشار تصرفات غير مقبولة ثقافيا واجتماعيا في المجتمع العماني، سواء ظهرت على الشاشات أو من خلفها.
وقد اتبعت دول عديدة إجراءات زجرية مباشرة في مثل هذه الحالات، حيث يتم فتح تحقيق إداري مستقل، وإلزام العاملين بدورات في الأخلاقيات الرقمية، وفرض عقوبات تأديبية قد تصل إلى الإيقاف أو الفصل من الخدمة. وهذا يوضح كيف أن العقوبات لا تهدف فقط للمعاقبة، بل لحماية الأطفال والمراهقين، ومنع الأذى الرقمي الذي يمكن أن يترسخ في سلوكياتهم وهويتهم الوطنية والأمن الفكري لدى الطلبة، وهو ما تدعمه منظمات حقوقية تنادي بحماية الأطفال من النماذج الرقمية الفارغة من أي محتوى مفيد للمجتمع والأفراد.
وتؤكد البيانات الدولية ونتائج الدراسات العربية والمحلية أن التهديدات الرقمية للأطفال تمتد إلى ما هو أبعد من المحتوى غير اللائق، فهناك مخاطر التنمر الإلكتروني، والتواصل مع جهات تسعى للاستغلال أو الابتزاز الجسدي، ومن ثم الدفع بهم إلى دائرة تعاطي الممنوعات من أجل الهروب من الواقع المؤلم، وقد يصل الحال ببعضهم إلى إنهاء حياته، ليكونوا غصة في قلوب والديهم. وقد تبين أن نسبة كبيرة من الأطفال والمراهقين في دول متعددة أبلغوا أنهم تعرضوا لمثل هذه الحالات عبر الإنترنت قبل بلوغهم سن الثامنة عشرة، مما يعكس أهمية تفعيل الحماية القانونية والمساءلة الصارمة للأفراد الذين يسيئون استخدام الوسائل الرقمية. وقد تبين أن أكثر وسائل التواصل الاجتماعي استخداما هي تيك توك بنسبة 32.9%، كما أن بعض تلك النماذج المحسوبة على التربية تستغل الخوارزميات الرقمية والوسوم في رفع عدد المشاهدات، ناهيك عن التصرفات غير السوية التي تضرب القيم المجتمعية عرض الحائط.
وفي سياق سلطنة عمان، توفر مدونة قواعد السلوك الوظيفي الصادرة بقرار مجلس الخدمة المدنية رقم 7/2019 إطارا قانونيا عاما يلزم الموظف بسلوك مهني داخل وخارج العمل، ويجعل أي انتهاك لهذه القواعد عرضة للمساءلة القانونية وفق الأنظمة. كما أن قانون التعليم المدرسي رقم 31/2023 يبرز أهمية الانضباط السلوكي والالتزام بالقيم داخل البيئة التعليمية، وهو ما يستدعي ترسيخ هذا الالتزام أيضا في العالم الرقمي، لمنع أي مساس بقيم الطلاب وسلامتهم الفكرية.
وعلى ضوء ما سبق، أتوجه في ختام مقالي هذا إلى معالي وزيرة التعليم الموقرة، صاحبة القيادة الحازمة والرؤية الثاقبة، والقوة المعهودة في اتخاذ القرارات، لحماية مستقبل أجيال عمان من أي تهديد للقيم التربوية والاجتماعية. إن استمرار بعض المنتسبين للتعليم في استغلال منصاتهم أو وظائفهم الرقمية مقابل حفنة من المال، ونشر محتوى يضر بالقيم الأخلاقية والاجتماعية، يمثل انتهاكا صارخا للمبادئ المهنية والأخلاقية، واختلالا في الوعي المؤسسي، ويمنح تلك التصرفات شرعية ضمنية لا تقبل الشك، خاصة أمام النشء الذي يتأثر سريعا بالخوارزميات الرقمية المصممة لتعزيز المحتوى الأكثر جذبا وتفاعلا، خاصة إذا علمنا أن 9 من كل 10 من المراهقين يستخدمون منصات التواصل الاجتماعي، وأكثرهن من الفتيات المراهقات، اللائي يتأثرن سلبا في ثقتهن بأنفسهن وصورتهن الذاتية بسبب المحتوى على هذه المنصات.
معاليكم، إن أي تأجيل في تطبيق العقوبات الفورية والرادعة، مثل الفصل العقابي، والإيقاف عن العمل، وإحالة المخالفين للتحقيقات القانونية، ينذر بانفجار المجتمع، وتشكيل جيل رقمي يفتقر إلى ضبط الذات والوعي القيمي، ويصبح نموذجه السلوكي محفوفا بالعشوائية والانحراف، في ظل بيئة رقمية مسرعة تضخم أثر المحتوى الضار عبر الخوارزميات، وتزيد من قابليته للتقليد والتأثير النفسي والاجتماعي. هذا التهديد يطال الأبعاد النفسية والاجتماعية، ويمتد إلى الاستقرار الهيكلي للمؤسسات التعليمية وقدرتها على صون الهوية الثقافية والأخلاقية للمجتمع، وهو ما لا تقبله التربة العمانية التي نشأت على الانضباط والاحترام المتبادل والوفاء بالقيم الأساسية.
لذلك، يصبح من الضروري أن تتخذ الوزارة موقفا حازما وفوريا، يدمج التنظيم القانوني الرادع، والرقابة الإدارية المشددة، واستحداث قرارات تنظيمية تخيرهم بين الوظيفة الحالية أو حساباتهم الترويجية، أسوة بباقي المؤسسات، ليكون كل من يحاول العبث بالقيم على وعي كامل بالعقاب الفوري، والرقابة الصارمة، والمسؤولية القانونية والمهنية، بما يحفظ التعليم كمنظومة متكاملة، ويصون الهوية الفكرية والأخلاقية للطلاب واليافعين، ويضمن استقرار المجتمع الرقمي والواقعي على المدى الطويل.
معاليكم، اليوم أهم من أي وقت مضى، فكل يوم تأخير يزيد احتمال نشوء جيل من المربين يمسكون القلم في يدهم، بينما تتجه أنظارهم نحو حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي في اليد الأخرى، يلهثون وراء الشهرة والمال، وحين تقل مشاهداتهم يبحثون عن أي محتوى رديء وسلبي، يبيعون قيم التعليم وأخلاقيات المجتمع بعرض من الدنيا. هذا الانزلاق لا يهدد فقط وعي الأجيال القادمة، بل يعمق أزمة الترابط القيمي، ويقوض أسس التربية الاجتماعية والمعرفية التي بنتها أجيالنا عبر التاريخ. إن السكوت الآن ليس مجرد تأجيل، بل يمنح الشرعية للتجاوزات الأخلاقية، ويترك أثرا خطيرا على هويتنا وثقافتنا الحضارية العميقة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights