تهنئة
الأحد: 07 يونيو 2026م - العدد رقم 2939
مقالات صحفية

حين يتراجع المستحيل

خلف بن سليمان البحري

لم يكن المستحيل يومًا حقيقة راسخة، بل كان حدًا يتراجع كلما تقدمت الإرادة خطوة إلى الأمام. لا يسقط فجأة، ولا يختفي بكلمةٍ تُقال، بل يتلاشى بهدوء، كلما أُعطي الجهد حقه، وكلما استمرت المحاولة رغم ما يعتريها من تعب، ومع كل تجربة يتكشف للإنسان أن ما بدا بعيدًا لم يكن مستحيلًا، بل لم يُقارب بما يكفي من الإصرار.

في البدايات، يبدو الطريق غامضًا، وتبدو الغايات أبعد مما ينبغي، لكن الحقيقة لا تكمن في وضوح الطريق، بل في القدرة على الاستمرار فيه، فكثيرٌ مما نعدّه مغلقًا، لم يكن كذلك، بل تُرك قبل أن يُفتح، وكثيرٌ من الأهداف لم تكن بعيدة، بل لم يُقترب منها بما يكفي من الصبر؛ وهنا يبدأ المستحيل أولى خطوات تراجعه… حين يُستبدل التردد بمحاولة، والخوف بخطوة.

التحديات لا تُسقط الطموح، لكنها تكشف صدقه. فالعثرة لا تعني نهاية المسير، بل تعني أن الطريق يحتاج إلى فهمٍ أعمق. وما يُنهي كثيرًا من المحاولات ليس ضعف الإمكانيات، بل التوقف عند أول اختبار حقيقي. وفي بيئات العمل كما في مسارات الحياة، لا تتعثر الأفكار لأنها مستحيلة، بل لأنها لم تُمنح الوقت الكافي لتُفهم، ولم تُصاحبها إرادة تُصر على تطويرها.

ومع تراكم التجارب، يتغير الإدراك… ليس لأن الطريق أصبح أسهل، بل لأن الإنسان أصبح أكثر وعيًا بقدرته. يُدرك حينها أن المستحيل لم يكن عائقًا قائمًا، بل فكرة نمت مع التردد، وتراجعت مع الإقدام. وأن كثيرًا مما ظنه صعبًا، كان ينتظر فقط قرارًا صادقًا بالاستمرار.
ومن واقع التجربة، يتبين أن المستحيل لا يقف طويلًا أمام من يستمرون، بل يتراجع مع كل خطوة صادقة. فلم يكن من يصلون هم الأكثر حظًا، بل الأكثر التزامًا، والأقدر على الصبر، والأقل ترددًا في الاستمرار، تعاملوا مع الطريق كما هو، لا كما تمنّوه، ومضوا فيه بما يملكون، لا بما ينقصهم، حتى أعادوا تشكيل ما ظنوه مستحيلًا.

الإرادة ليست حماسة عابرة، بل التزام لا ينقطع، والعزيمة لا تُقاس بقوة البداية، بل بقدرتها على الثبات حين تضعف الدوافع. ومع كل خطوة تُنجز، يتراجع ذلك المعنى القديم للمستحيل، لا لأن الطريق تغيّر، بل لأن الإنسان لم يعد يقبل أن يتوقف عنده.
وعند هذه النقطة، يبدأ التحول الحقيقي… فلا يعود المستحيل سوى فكرة فقدت قوتها، ولا تبقى الغايات بعيدة إلا بقدر ما يتوقف السعي دونها. فما يُؤخر الوصول ليس وعورة الطريق، بل التردد في مواصلته، وما يُضعف الحلم ليس حجمه، بل الانقطاع عنه حين تشتد التحديات.

حين يدرك الإنسان ذلك، يتغير تعامله مع الطريق؛ فلا ينتظر وضوحه الكامل، ولا يشترط مثالية الظروف، بل يكتفي بقرارٍ واضح: أن يستمر. أن يُكمل حين يتعب، وأن يُحاول حين يتراجع غيره، وأن يرى في كل عثرة فهمًا جديدًا، لا نهايةً للطريق.
ومن هنا تتجلى الحقيقة التي لا تحتاج إلى إعلان: أن المستحيل لم يكن يومًا عائقًا حقيقيًا، بل كان اسمًا لمرحلة لم تكتمل. وأن كل خطوة تُنجز، مهما بدت صغيرة، تُعيد تشكيل المسافة، وكل محاولة صادقة تُقربك مما تراه بعيدًا.
حتى تصل إلى لحظةٍ تلتفت فيها خلفك… فتدرك أن ما كان يُسمى مستحيلًا، لم يكن سوى وهمٍ تلاشى، لأنك ببساطة… لم تتوقف.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights