من المنتصر في الحرب؟ قراءة في (تاكو ترامب) والصمود الإيراني
المنتصر بن زهران الرقيشي
كاتب في الاتصالات الدولية والعلوم السياسية
تنفّس العالم الصعداء عندما أُعلن عن هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران بعد أسابيع من التصعيد الذي كاد يدفع المنطقة إلى حافة انفجار شامل، لكن هذا النفس لم يكن عميقًا بما يكفي ليُقال إن الحرب انتهت، ولعل الوصف الأنسب هو أنها أقرب إلى هدنة اضطرارية فرضها ارتفاع كلفة الاستمرار. فالمشهد، عند قراءته من خلال تداخل الروايات الأمريكية والإيرانية والإسرائيلية والخليجية، يُنبئ بأنه انتقالٌ للمواجهة إلى مرحلة أخرى ستتضح صورتها خلال نهاية المدة أو ربما قبلها.
الخطاب الأمريكي قدّم الهدنة بوصفها إنجازًا سياسيًا، بل ذهب إلى حد وصفها بأنها انتصار يثبت قدرة واشنطن على فرض معادلاتها، غير أن التحول السريع من لغة التهديد الحاد إلى لغة التهدئة خلال ساعات قليلة أعاد إلى الواجهة النقاش الداخلي الأمريكي حول نمط إدارة الأزمات، حيث باتت المقاربة القائمة على التصعيد ثم التراجع جزءًا من توصيف أوسع لأداء الإدارة، وهو ما يكشف أن واشنطن سعت، في هذه المرحلة تحديدًا، إلى تجنب الانزلاق نحو حرب واسعة لا يمكن ضبط نتائجها، خصوصًا في ظل اعتبارات داخلية ضاغطة وتكلفة اقتصادية متصاعدة.
ما تحقق أمريكيًا يمكن وصفه بدقة بأنه ربح للوقت لا أكثر؛ فقد جرى تجميد مسار التصعيد، وتهدئة الأسواق، وإعادة تموضع سياسي يسمح للإدارة بالقول إنها منعت حربًا أكبر، لكن في المقابل لم تُحسم أي من القضايا الجوهرية التي كانت سببًا للصدام، ولم يتم تفكيك عناصر القوة الإيرانية، بل انتقل النقاش معها من موقع الإملاء إلى موقع التفاوض، وهو تحول بحد ذاته يحمل دلالات استراتيجية لا يمكن تجاهلها.
في الجانب الإيراني، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا، فطهران تكبدت أضرارًا ملموسة على مستوى البنية التحتية والقدرات العسكرية، ولا يمكن إنكار كلفة الحرب على اقتصادها ومجتمعها، إلا أنها، في الوقت ذاته، نجحت في منع ترجمة هذه الضربات إلى هزيمة سياسية. لم تُسقط إيران خطوطها الحمراء الأساسية، لا فيما يتعلق بحقها في التخصيب، ولا فيما يتصل بدورها الإقليمي، ولا في إدارتها لمضيق هرمز، الذي عاد ليُطرح باعتباره مركز الثقل الحقيقي في معادلة الردع.
وهنا تحديدًا تكمن إحدى أبرز نتائج هذه الجولة؛ إذ تحول الحديث عن هرمز من كونه مجرد ممر مائي دولي إلى ملف تفاوضي قائم بذاته، تُطرح فيه مفاهيم “التنسيق” و”الترتيبات” و”ضمانات المرور”، وهي تعبيرات تعكس واقعًا جديدًا مفاده أن السيطرة على الإيقاع الملاحي باتت جزءًا من معادلة القوة، حتى وإن لم تُترجم إلى سيطرة قانونية صريحة. وهذه النقطة وحدها كفيلة بإبقاء الاقتصاد العالمي في حالة ترقب دائم، وهو ما يمنح طهران ورقة ضغط لا يُستهان بها.
أما إسرائيل، التي دخلت الحرب بهدف إحداث تحول نوعي في موازين القوى، فقد أظهرت تفوقًا عسكريًا واضحًا، لكنها لم تصل بعد إلى لحظة الحسم السياسي. فاستمرار عملياتها خارج نطاق الهدنة، خصوصًا في الساحة اللبنانية، يعكس فجوة قائمة بين الإنجاز العسكري والقدرة على تثبيته ضمن إطار إقليمي متماسك. وعندما تبقى الهدنة موضع اختلاف منذ لحظتها الأولى، فإن ذلك يشير إلى مدى هشاشة أي اتفاق إذا لم يُقَد إلى اتفاقيات كاملة.
في المقابل، خرجت دول الخليج من هذه الحرب وهي الأكثر إحساسًا بكلفتها المباشرة، سواء على مستوى الأمن أو الاقتصاد أو الثقة في الترتيبات الإقليمية القائمة. ورغم الترحيب الرسمي بالهدنة، فإن القراءة الأعمق تشير إلى بداية مراجعة هادئة لمعادلات الاعتماد التقليدي على الحماية الخارجية، وإدراك متزايد بأن الاستقرار لا يمكن أن يُبنى بالكامل من خارج الإقليم. هذه ليست دعوة إلى تبني القطيعة مع التحالفات، لكنها دعوة إلى إعادة تعريفها في ضوء تجربة كشفت حدود الردع التقليدي عندما تتشابك الحسابات الكبرى.
الهدنة نفسها، عند تفكيك مضمونها، لا تقدم إجابة حاسمة لأي من الملفات الأساسية. الولايات المتحدة تتحدث عن فتح آمن للملاحة وعن مسار يقود إلى ضبط البرنامج النووي، بينما تصر إيران على حقها في التخصيب وعلى دورها في إدارة أمن المضيق، وتبقى العقوبات والنفوذ الإقليمي نقاط خلاف لم تقترب حتى من الحل. الأخطر من ذلك أن كل طرف يقدّم رواية مختلفة لما تم الاتفاق عليه، وهو ما يجعل الهدنة أقرب إلى تفاهم مؤقت على وقف إطلاق النار، لا إلى اتفاق على إنهاء أسبابها.
من هنا، يصبح سؤال “من المنتصر؟” سؤالًا مضللًا في حد ذاته. لم يخرج أي طرف بانتصار حاسم، لكن كل طرف نجح بدرجة ما في تجنب خسارة أكبر. الولايات المتحدة منعت نفسها من التورط في حرب مفتوحة، لكنها لم تفرض شروطها بالكامل. إيران صمدت ومنعت كسرها سياسيًا، لكنها دفعت ثمنًا ثقيلًا. إسرائيل أظهرت قوة عسكرية، لكنها لم تحسم البيئة السياسية. أما الخليج، فخرج بوعي أعلى بكلفة الصراع وبضرورة إعادة تموضعه ضمن معادلة أكثر استقلالية.
الخلاصة التي تفرض نفسها أن ما جرى لم يكن نهاية حرب، بل بداية مرحلة مختلفة منها؛ مرحلة تُدار فيها المواجهة بأدوات أقل حدّة، مع استمرار الخلط بين المفاوضات والتهديد، وكل طرف يسعى إلى إعادة التموضع. بالمختصر، لقد تم تأجيل الانفجار، لكن أسبابه ما زالت قائمة، بل ربما أصبحت أكثر وضوحًا.
ولهذا، فإن الأسبوعين المقبلين لا يمثلان اختبارًا لمدى صمود الهدنة فقط، بل اختبارًا لمدى قدرة الأطراف على تحويل القوة إلى تسوية. فإذا فشل هذا التحول، فإن المنطقة لن تعود إلى نقطة الصفر، بل إلى نقطة أكثر خطورة، حيث تكون كل الأطراف قد جرّبت الحرب وعرفت حدودها، لكنها لم تتفق بعد على بديلها.



