مقالات صحفية

تحولات المنظومة التعليمية في سلطنة عُمان

قراءة نفسية واجتماعية لإعادة توزيع الكوادر التدريسية في الحلقة الثانية

د. إنعام بنت محمد المقيمية ـ مستشارة نفسية

تشهد المنظومة التعليمية في سلطنة عُمان، ممثلة في وزارة التعليم، تحولات تنظيمية متسارعة تهدف إلى تعزيز جودة التعليم وتحقيق التميز في مخرجاته ورفع كفاءة الأداء التربوي بما يتوافق مع متطلبات المرحلة الراهنة.
ومن أبرز هذه التحولات إعادة توزيع الكوادر التدريسية في الحلقة الثانية من التعليم الأساسي لتشمل تدريس الصفوف من الخامس إلى الثامن معلمات، وهو قرار يستدعي قراءة متعمقة في ضوء خصائص النمو النفسي والاجتماعي للطلبة.
تقع هذه المرحلة ضمن الانتقال من الطفولة إلى بداية البلوغ، حيث تبدأ ملامح المراهقة المبكرة في التشكل تدريجيًا.
ويشير العلماء إلى ظاهرة تسارع المراهقة، التي تتمثل في بدء التغيرات الانفعالية والاجتماعية في سن أبكر وبكثافة أعلى نتيجة تداخل عوامل بيولوجية وبيئية، في مقدمتها الانفتاح الإعلامي والتقني.
مما يؤدي إلى حالة من عدم التزامن النمائي بين النضج الجسدي والانفعالي، ويجعل الطالب يواجه مشاعر قوية ومتغيرة بدون امتلاك الأدوات النفسية الكافية لتنظيمها أو فهمها.
ويظهر لديهم ضعف نسبي في مهارات الضبط الذاتي، مع إمكانية تشكل أنماط تفكير غير دقيقة تعرف بالتشوهات المعرفية، خاصة عند تعرضهم لمضامين إعلامية غير منضبطة تقدم نماذج غير واقعية للعلاقات والأدوار الاجتماعية.
ويصبح الطالب أكثر عرضة لإسقاط هذه التصورات على واقعه المدرسي بما في ذلك طبيعة علاقته بالمعلمة.
وقد يسهم وجود هذه العوامل مجتمعة في زيادة الاستثارة الانفعالية وتسريع بعض مظاهر المراهقة بدلًا من تدرجها الطبيعي، خاصة في حال غياب نماذج تساعد الطالب على تنظيم هذه التحولات ضمن إطار قيمي واضح.
وهو ما لا يقلل من مكانة المعلمة بل يؤكد أهمية ملاءمة البيئة التعليمية لخصائص النمو النفسي للطلبة لتحقيق التوازن المطلوب.
على الصعيد الاجتماعي، تعد هذه المرحلة نقطة مفصلية في بناء الهوية الشخصية والاجتماعية، حيث يمر الطلبة بما أشار إليه إريك إريكسون بمرحلة “تكوين الهوية مقابل تشتت الدور”.
ويحتاج الطالب في هذه المرحلة إلى نماذج سلوكية متسقة تعكس الأدوار الاجتماعية وتساعد على استيعاب مفاهيم المسؤولية والانضباط والانتماء.
ويشير ألبرت باندورا إلى أن التعلم يتم من خلال الملاحظة والتقليد وليس فقط بالتلقين، ما يجعل للنموذج التربوي المباشر أثر بالغ في تشكيل السلوك.
وفي المجتمع العُماني، الذي يتميز ببنية قيمية محافظة ومتماسكة، يتم النظر إلى المعلم ليس فقط كناقل للمعرفة بل أيضًا كممثل للقيم والهيبة التربوية.
حيث يسهم وجود نموذج تربوي مناسب للطلبة في ترسيخ ملامح الهوية الاجتماعية وتعزيز فهمهم للأدوار والمسؤوليات.
ويساعد الانتقال من بيئة رعائية إلى بيئة أكثر اعتمادًا على الانضباط الذاتي على استيعاب الطالب لموقعه الاجتماعي وتنظيم سلوكه.
ويظل من المهم أن تأخذ أي تغييرات في بنية البيئة التعليمية في الاعتبار هذه العوامل النفسية والاجتماعية لضمان توافق التطوير التربوي مع احتياجات نمو الطلبة، بما يسهم في إعداد جيل متوازن قادر على التكيف، وفهم دوره الاجتماعي، ومتصالح مع ذاته ومجتمعه.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights