الصندوق
د. محفوظ بن خميس السعدي
صندوق باندورا أسطورة إغريقية قديمة ترمز إلى مصدرٍ للشرور والمصائب التي لا حصر لها، والتي تنطلق نتيجة خطأ بسيط أو فضول. في الميثولوجيا، حملت باندورا جرةً (تمت ترجمتها لاحقًا إلى صندوق) تحتوي على كل شرور البشرية، من أمراض وحسد وحروب، وأطلقتها حين فتحتها، ولم يتبقَّ فيها سوى «الأمل».
ويُعدّ «فتح صندوق باندورا» تعبيرًا يُستخدم للإشارة إلى فعلٍ يؤدي إلى ظهور مشكلات ومضاعفات غير متوقعة وخطيرة لا يمكن السيطرة عليها. وقد أصبح هذا المصطلح استعارة شائعة للمواقف التي تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تخفي عواقب وخيمة، مشابهة لتعبيرات مثل «كشف المستور» أو «فتح الملفات».
ووفقًا للشاعر اليوناني هيسيود، أمر زيوس بخلق «باندورا»، أول امرأة، كعقاب للبشرية بعد أن سرق بروميثيوس النار من الآلهة. وأُعطيت باندورا جرةً وأُمرت بعدم فتحها، لكنها بدافع الفضول فتحتها، فخرجت منها كل شرور العالم، مثل الحروب والشيخوخة والمعاناة. وعندما أغلقتها، كان «الأمل» هو الشيء الوحيد الذي بقي في الداخل، بينما تشير روايات أخرى إلى أنه خرج أيضًا.
لعلّ الصناديق التي فُتحت مؤخرًا في العالم لم تكتفِ بإطلاق الشر الكامن في النفس البشرية، بل أطلقت الألم أيضًا، وكشفت عن تراجع القيم الإنسانية، وعن حجم التوحش الذي وصل إليه الإنسان تجاه أخيه الإنسان، المختلف عنه في الجسد أو الدين أو التوجه. ولا يخفى ما كُشف عنه عند فتح ما يمكن تسميته «صندوق إبستين»، أو ما نشهده من توترات وصراعات دولية متصاعدة.
ولعلّ أخطر هذه «الصناديق» التي ما تزال مفتوحة وتفيض شرًا وتأثيرًا في العالم هو صندوق النقد الدولي، الذي يُعدّ – من وجهة نظر نقدية – أحد أبرز محركات الأزمات العالمية. ففي قراءة لكتاب «صندوق النقد الدولي: قوة عظمى في الساحة العالمية» للمؤلف أرنست فولف، ترجمة الدكتور عدنان عباس علي، الصادر عن سلسلة عالم المعرفة (العدد 435، أبريل 2016م)، نجد طرحًا يكشف عن عالمٍ خفيٍّ مغاير لما نراه، حيث تُدار السياسات الاقتصادية العالمية عبر أدوات تصنع الخوف، وتعيد تشكيل الأمل، وتتحكم في مسارات النجاة.
فالكتاب يبيّن، عبر صفحاته، كيف أن بعض السياسات الاقتصادية قد تُسهم في تعميق الأزمات بدل حلّها، وأن التدخلات المالية قد تفرض شروطًا قاسية على الدول، تمس سيادتها وتؤثر على استقرارها الاقتصادي والاجتماعي، مما يترك آثارًا طويلة الأمد تحتاج إلى سنوات للتعافي.
وتشير تجارب عدد من الدول، مثل اليونان وقبرص وتشيلي وسريلانكا، إلى أن هذه التدخلات قد ترتبط بأزمات اقتصادية عميقة، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة هذه السياسات ونتائجها.
وفي ظل التوترات العالمية، وعندما تتجه الأنظار إلى مناطق حساسة مثل مضيق هرمز، يبدو المشهد وكأنه «صندوق باندورا» جديد، حيث يؤدي أي تصعيد إلى تداعيات تتجاوز حدود الجغرافيا، وتمتد آثارها إلى مختلف أنحاء العالم، مؤثرة في حياة الأفراد والدول على حد سواء.
وهكذا، فإن «الصندوق» لم يعد مجرد أسطورة، بل أصبح رمزًا متكررًا في واقعنا المعاصر، يطرح سؤالًا مهمًا: من يفتح هذه الصناديق؟ ومن المستفيد من تداعياتها؟



