الثلاثاء: 31 مارس 2026م - العدد رقم 2871
مقالات صحفية

دفتري .. منفذ المشاعر

  عادل بن حميد الجامعي

ثَمَّةَ في النفس أشياءُ تتأخر عن الخروج لأنها شديدة الامتلاء، كلما حاولت أن تصير كلامًا عادت إلى الداخل، كأن العبارة الأولى تضيق بها.. وفي الإنسان مناطق يهاب فتحها، إذ ما إن تُفتح حتى يندفع منها ما تراكم في الصدر من حرارةٍ مكتومة وصورٍ وأحاسيس لما تجد لغتها بعد..

يتشكل في الداخل شعورٌ ممتزج؛ طرفٌ من حزن، وآخر من شوق، وظلالٌ من فرحٍ مؤجل، حتى يقف المرء أمام نفسه كما يقف أمام بابٍ يعرف أن وراءه الكثير والمثير، ويبحث عن الاسم الذي يبدأ به.. ويغدو الكتمان عجزًا عن الإمساك بالمعنى قبل أن يتبدد، أو خشية أن يخرج ناقصًا فيخون شدته.. وقد أشار علم النفس إلى هذه الحالة بوصفها نمطًا من (كبح التعبير الانفعالي)، حيث يتفاقم الشعور كلما طال احتباسه في الداخل، ويزداد حضوره إلحاحًا بدل أن يخفت..

تحتاج النفس في مثل هذه الحال إلى فجوةٍ صغيرة هتدئة يمرّ منها ما احتشد طويلًا.. تصير الكتابة ضرورة، والقلم منفذًا يخفف ازدحام الروح ويمنح المحتوى داخل النفس شكلًا يُرى بعد أن ظل إحساسا. وفي هذا السياق، قدّم عالم النفس James W. Pennebaker مفهوم “الكتابة التعبيرية”، حيث يُطلب من الإنسان أن يكتب أعمق أفكاره ومشاعره حول ما يثقل صدره، وقد أظهرت دراساته أن هذا الإفصاح المكتوب يسهم في تحسين الصحة النفسية والجسدية معًا وقد يبلغ الشعور حدّ الحريق الخفي، يشدّ الأعضاء من باطنها، ويدفع إلى خروجٍ يسبق التحول إلى قسوة أو إلى بردٍ يعقب الاحتراق.. وهنا لا تكون الكتابة والتعبير ترفًا، بل نوعًا من المواجهة اللطيفة، إذ يرى الباحثون أن التعبير عن المشاعر يساعد الإنسان على تجاوز ما كان مكبوتًا، ويخفف من أثر التوتر والضغط الداخلي..

وفي هذا الخروج تخرج الحمم ويظهر الذهب؛ تنشقّ الكلمة عن معدنٍ كريم، ويتكلم الاضطراب بلغةٍ فيها صفاء.. وقد بيّنت دراسات تحليلية أن هذا النمط من “الإفصاح الكتابي” يرتبط بتحسنٍ ملحوظ في مؤشرات الصحة، خاصة الجسدية، حتى في حالات المعاناة الطويلة يصبح النص موضع تلقٍّ صادق، يلتقي فيه شعوران دون تعريف، ويكفي قارئٌ يتوقف لحظة ليمسك بطرف خيطٍ كان يبحث عنه.. تهدأ المشاعر حين ترى نفسها مكتوبة، وتستقر خارج الصدر..

ومن أعجبها أنها متناقضة في ظاهرها، متماسكة في عمقها؛ تحرق وتدفئ، تؤلم وتفتح، تربك وتنضج، وتمنح مادةً يرى بها الإنسان ذاته على نحوٍ أوضح.. وهنا يغدو الدفتر الداخلي ضرورةً ومصالحةً، تعبر بها النفس من الاختناق إلى العبارة، ومن الصمت الثقيل إلى حضورٍ يُحتمل..

ولعل هذا هو المعنى الأصدق لما يختلج في النفس حين تضيق بما فيها: أنها لا تطلب دائمًا حلًّا، بقدر ما تطلب منفذًا.. لا تريد بالضرورة من يفسرها كلها، بل من يتيح لها أن تُرى وهي تخرج، وأن تُسمع وهي تتشكل، وأن تُمنح حقّها في الوجود خارج العتمة الداخلية..

وحين يحدث ذلك، ولو في صفحة واحدة، ولو في نصٍّ واحد، يشعر الإنسان أن شيئًا من الحصار قد انكسر، وأن هذا الذي كان يحرقه من الداخل بدأ يتحول، قليلًا قليلًا، إلى معنى.. وربما إلى نور.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights