الثلاثاء: 31 مارس 2026م - العدد رقم 2871
مقالات صحفية

حين يغيب الاسم .. ويحضر القبول

محمد بن سعيد العلوي

اطمئن… فليس كل ما يُبنى يُرى، وليس كل ما يُخفيه الصمتُ يضيع.
فهناك أرواحٌ تمرّ خفيفةً كأنها لم تكن، لا تُزاحم على الضوء، ولا تستدعي الانتباه، لكنها عند الله أثقل وزنًا، وأبقى أثرًا… لأن وجهتها لم تكن الناس، بل كانت السماء.

في زمنٍ تضخّمت فيه الصورة، وتضاءلت فيه الحقيقة، صار الظهور غاية، والإخلاص استثناء .. تُقاس الأعمال بما تُحدثه من صدى، لا بما تحمله من صدق… ويُحتفى بما يُرى، ويُغفل ما يُرفع، ومع ذلك، تبقى موازين السماء مختلفة… لا تنخدع بالضجيج، ولا تُخدع بالبريق.

فكم من عملٍ تعلو به الأصوات، وهو عند الله لا يتجاوز حدود النية الفاسدة…
وكم من عملٍ خفيٍّ، لا يكاد يُذكر، رفع الله به صاحبه إلى مقاماتٍ لا يبلغها أهل الظهور.

وقد اختصر النبي ﷺ هذا الميزان في كلمةٍ جامعة:
“إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى”
فالأعمال تُرى… لكن القبول يُوزن بما لا يُرى.

قصة تتكرر… لكن لا ينتبه لها أحد

ليس بطلها رجلًا استثنائيًا في أعين الناس، بل عاديٌّ جدًا… إلى حدّ أنه لا يُلاحظ.
وظيفةٌ بسيطة، حضورٌ هادئ، واسمٌ لا يتردد كثيرًا… لكن قلبه كان يعمل بصمتٍ لا يعرفه إلا الله.

كان يُيسّر حيث يُعقّد غيره، ويخفّف حيث يثقل الآخرون، ويمنح من وقته وطبعه ما لا تفرضه عليه لائحة ولا يُلزمه نظام.
لم يكن يرى في موقعه سلطة، بل فرصة… ولم يكن يتعامل مع الناس بوصفهم معاملات، بل أرواحًا تستحق الرحمة.

أما في الخفاء… فهناك تبدأ الحكاية الحقيقية.
ليلٌ طويل، وسجودٌ صامت، واستغفارٌ لا ينقطع.
ودعواتٌ تخرج لمن مرّوا به، ربما دون أن يعلموا… وكأن قلبه كان يحمل عنهم ما لم يستطيعوا قوله.

وكان له سرّ…
أعمالٌ لا تُكتب باسمه، وأيادٍ تمتد دون أن تُرى، وصدقاتٌ لا يعرف لها الناس مصدرًا.
كان يُتقن فنّ الغياب… ليُحسن الحضور عند الله.

ثم مضى… كما يمضي العابرون.
لكن المكان من بعده لم يعد كما كان.
لم يُفقد شخصًا… بل فُقد أثر.
شيءٌ من اللطف، شيءٌ من السعة، شيءٌ من الرحمة… لا يُوصف، لكنه يُفتقد.

وهنا يُدرك الفرق:
بين من يشغل موقعًا… ومن يترك فيه أثرًا.

المسؤولية… حين تُفهم على حقيقتها

ليست كل سلطةٍ رفعة، ولا كل منصبٍ كرامة.
فالمسؤولية في حقيقتها اختبار… لا امتياز.

إلى كل من بيده قرار، أو تحت إدارته بشر:
اتقِ الله فيهم…
فإن الناس لا يحتاجون مزيدًا من الأوامر، بقدر ما يحتاجون من يفهم ضعفهم، ويقدّر ظروفهم، ويعاملهم بإنسانيتهم قبل مواقعهم.

كن قريبًا دون تكلّف، عادلًا دون قسوة، حازمًا دون تعالٍ.
اجعل موقعك جسرًا للرحمة، لا جدارًا للتعقيد.
فكم من كلمةٍ لينةٍ رفعت إنسانًا، وكم من قرارٍ قاسٍ كسر قلبًا لا يُجبره شيء.

وقد وجّه النبي ﷺ هذا المعنى في قوله:
“يسّروا ولا تعسّروا، وبشّروا ولا تنفّروا”

فما يبقى ليس ما مارسته من سلطة…
بل ما زرعته من أثر.

الخبيئة… حيث تُكتب الحقيقة

هناك… حيث لا أحد يرى،
حيث لا تصفيق، ولا حضور، ولا انتظار ثناء…
هناك يُختبر صدقك.

الخبيئة ليست مجرد عملٍ خفي…
بل هي ميزانك الحقيقي.
ففي العلن قد تُجامل، وقد تُحسّن صورتك…
أما في الخفاء، فلا أحد إلا الله.

وقد قال تعالى:
﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١].

وبيّن النبي ﷺ منزلة هذا الخفاء في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله، وذكر منهم:
“رجلٌ تصدق بصدقةٍ فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه”

إنها ليست دعوةً لإخفاء العمل…
بل دعوةٌ لتطهيره.

أن يكون لك عند الله شيءٌ لا يعرفه أحد…
لكن يعرفك به الله.

حين يغيب الاسم…

ليس الخطر أن لا تُعرف…
بل أن تُعرف ولا تُقبل.

فكم من أسماءٍ ملأت الأسماع، ثم انطفأت كأنها لم تكن…
وكم من أرواحٍ خفية، بقيت آثارها حيّةً؛ لأنها لم تبحث عن الناس، بل بحثت عن الله.

القبول… لا يُصنع.
لا يُشترى.
لا يُعلن.

القبول رزق…
يمنحه الله لمن صدق، وأخلص، وأحسن في الخفاء قبل العلن.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights