تهنئة
الجمعة: 05 يونيو 2026م - العدد رقم 2937
مقالات صحفية

في عُمان… حين تصبح المحن طمأنينة

قراءة نفسية تربوية في مجتمع يحوّل الأزمات إلى سكينة، ويوازن بين الإيمان والتأنّي في اتخاذ القرارات

 علي بن مبارك بن خلفان اليعربي

في لحظات تتكاثف فيها الغيوم، وتشتد فيها الأمطار، وتفيض الأودية حتى تلامس البيوت، لا يقف المشهد في عُمان عند حدود الطبيعة وحدها، بل يتجاوزها إلى مشهد إنساني أعمق، حيث تتجلى لغة خاصة، هادئة ومفعمة بالمعنى، تختصر طريقة مجتمع بأكمله في مواجهة الشدائد. هناك، بين صوت المطر وجريان الماء، تسمع عبارات مثل: «انعمتوا بالرحمة»، فيأتي الرد برفق صادق: «رحمه باده»، وكأن الكلمات نفسها تتحول إلى مظلة نفسية تقي القلوب من الانكسار.
وفي زمن تتسارع فيه الأحداث من حولنا، وتتلاحق فيه الأخبار المقلقة، وتضج فيه المنصات بصور التوتر والقلق، يبرز هذا النموذج العماني بهدوئه اللافت، لا بوصفه انعزالا عن الواقع، بل بوصفه طريقة واعية في التعامل معه. هدوء لا ينكر ما يجري، لكنه لا يسمح له أن يتحول إلى فوضى داخل النفس أو المجتمع.
هذه اللغة ليست وليدة اللحظة، ولا مجرد تعبير عابر، بل هي انعكاس لتكوين طويل تشكل من الإيمان والتجربة والتربية، حتى أصبح الإنسان العماني ينظر إلى الأحداث لا بظاهرها فقط، بل بمعانيها الأعمق. فالمطر، وإن حمل في طياته الخطر أحيانا، يبقى في الوعي الجمعي رحمة، وتبقى المصيبة، مهما اشتدت، جزءا من سياق أوسع من الحكمة الإلهية.
وفي علم النفس، حين يفقد الإنسان قدرته على تفسير ما يحدث حوله، تتعاظم لديه مشاعر القلق والاضطراب، غير أن العماني يعيد صياغة الحدث في داخله، فيحوّله من صدمة مفاجئة إلى ابتلاء مفهوم، ومن فوضى شعورية إلى حالة من الطمأنينة المتزنة. لذلك، حين يسأل: كيف أنتم؟، لا يكون السؤال بحثا عن إجابة بقدر ما هو إعلان تضامن، وحين يأتي الرد: الحمد لله، فهو لا ينفي الألم، بل يضبطه، ويحفظ للنفس توازنها، ويمنع الانهيار من أن يتسلل إلى الداخل.
“ليست الطمأنينة غياب الأزمات، بل هي حضور الوعي حين تشتد، واتزان النفس حين تضطرب.”
وقد يساء فهم هذا الهدوء، فيظن أنه نوع من اللامبالاة أو التقليل من حجم المصيبة، بينما الحقيقة أنه يعكس نضجا نفسيا وتربويا عميقا. فالعماني يشعر، ويتألم، ويدرك حجم الخطر، لكنه لا يسمح للانفعال أن يقوده، بل يختار التأنّي، ويمنح نفسه مساحة لقراءة المشهد قبل اتخاذ القرار. إنه يدرك، بتجربته، أن العجلة في الأزمات قد تضاعف الخسارة، وأن الاتزان ليس ترفا، بل ضرورة، خاصة في أزمنة تتكاثر فيها الضغوط وتتشابك فيها المشاهد.
ومن هنا تتجلى قيمة الحلم، لا بوصفه صفة أخلاقية فحسب، بل كمهارة حياتية تمارس في أشد اللحظات حساسية. فحتى في ذروة الغضب، لا يندفع، بل يمهل نفسه، ويضبط ردود فعله، مؤمنا أن القرار الرشيد يحتاج إلى نفس هادئة وعقل حاضر. وهذه القدرة على التماسك تمثل ما يعرف في علم النفس بالمرونة النفسية، أي القدرة على الاستمرار والثبات رغم الضغوط، دون إنكار للواقع أو هروب منه.
وهنا لا يكون الصبر سكونا، بل ترتيبا داخليا للمشاعر، وتمهيدا لفعل أكثر وعيا، حيث تتحول الطمأنينة إلى قوة تدير الموقف، لا مجرد شعور عابر. فالعماني قد يتأنى، لكنه حين يقرر يمضي بثبات، جامعا بين هدوء الشعور وحكمة القرار.
في هذا السياق، لا يعود المطر ماء فقط، بل معنى، ولا تبقى الكلمات أصواتا، بل مواقف. فـ «انعمتوا بالرحمة» ليست عبارة تقال، بل شعور يهدى، و«رحمه باده» ليست ردا، بل طمأنينة تتنقل بين القلوب، تخفف وطأة اللحظة، وتعيد للنفس اتزانها.
ختاما أقول: في زمن تتسارع فيه ردود الأفعال، وتعلو فيه أصوات القلق، يقدم العماني نموذجا مختلفا في التعامل مع الأزمات، نموذجا لا ينكر الواقع ولا يستسلم له، بل يعيد صياغته بلغة أهدأ وأعمق. وحين تمر المحن، سواء كانت قريبة أو بعيدة، قد تتأثر التفاصيل، لكن شيئا واحدا يبقى ثابتا: قلب يعرف كيف يطمئن، وعقل يعرف كيف يتأنى.
تمر الغيوم… وتبقى الطمأنينة.
لأن الإنسان حين يُربّى على الإيمان، ويتهذّب وعيه بالتجربة، وتتزن نفسه بالقيم، لا تهزّه العواصف مهما اشتدّت، بل يتحوّل من متلقٍ للأحداث إلى صانعٍ للاتزان، ومن أسيرٍ للقلق إلى مصدرٍ للسكينة… وهنا فقط، لا تكون الطمأنينة ظرفا عابرا، بل أسلوب حياة.
“العُماني لا ينتظر هدوء العاصفة… بل يصنع داخله سكونها.”

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights