تهنئة
السبت: 06 يونيو 2026م - العدد رقم 2938
مقالات صحفية

عيد يرتدي أوشحة المطر

سميحة الحوسنية

جاء العيد يرتدي أوشحة المطر، يبحث عن “حليمته” التي غادرتنا روحها.
كانت رائحة الحناء لا تزال تفوح من كفوفها، وقد امتزجت بعبق اليأس المنبعث من شقوق ذكرياتها. زيّن الفرح جبهتها بالمحلب الجبلي، ليلمع كالذهب كلما تساقطت عليه خيوط الشمس. فما أجمل حضورها…

جاء المطر يدق على أبواب حارتي القديمة التي اختفت ملامحها، فصارت أرضاً بيضاء باهتة باردة، خاوية على عروشها. يرافقه صوت الرعد المرتجف المبحوح، يصرخ ليوقظ الأرواح الساكنة في الأزقة والأماكن، علّها تحتضنه من صقيع الحنين والأشواق إلى أنفاسها الطاهرة بنقائه وطهره.

أتى العيد ولم يرَ “حليمته” تطيّب حضيتها ذات الألوان الدافئة بعطورها الخنّية: عطر الصندل والورد واللافدور، وكسرة من بخور معتق صنع بأنامل جاراتها، ليشم عطرها.

أتى العيد بلهفة المشتاق يبحث عنها، فلم يسمع صدى صوتها الذي كان يتردد في الأزقة وهي تلقي السلام على جاراتها قائلةً بابتسامة جميلة كصفاء قلبها: «غايته الغداء حريم».
كيف لا، وقد فاض حنانها حتى ناداها الجميع «ماه حليمة». خطواتها، وحديثها، وضحكتها، وحكمتها… طالما أحدثنا ضجيجاً في “ليوان” بيتها، حيث نقصدها صباحاً ومساءً لشراء الحلويات والشبس والكشك المغطى بالفلفل الحار. وفي عينيها مدائن من الفرح كلما رأتنا بملابس العيد.
لن أنسى ابتسامتها واستقبالها لنا صغاراً، ويديها البيضاوين. فما أجمل عطاياها وجيرتها ووفاءها.

أتى العيد يبحث عنها، وقد رآها آخر مرة تقف على أطلال بيتها في حارتها القديمة، مرتع صباها. أسدلت نهاية ذلك البيت آلة حديدية ضخمة، صدأه بصوتها المخيف، وأسنانها كفكّ مفترس يشعر الإنسان بإنغراسها في الروح قبل المكان.

أتى العيد يبحث عنها، علّه يراها في ذات المكان تستحضر ذكرياتها القديمة. وقد أدرك أن وفاءها كان أكبر من تلك المشاهد المؤلمة.
كانت “حليمة” بين الفينة والأخرى تزور المكان، تنظر إليه بلهفة المشتاق، فتنهمر دموعها من عينيها اللتين بدأ نورهما ينطفئ تدريجياً. ولسان حالها يقول: «وين ذيك الدولة.. وين الناس وبيوتنا.. من سلبنا تلك الجيرة والحياة الجميلة.. راحو الطيبين».
كنت أحتضنها وأقبّل رأسها قائلةً: «الله يديمك ويطول بعمرك».

رحلت “ماه حليمة” لتكون شاهدة على الكثير من الأحداث والقصص التي مررنا بها. أغمضت عينيها بروح تنبض على سرير يقاسمها آلامها وأحلامها. جسد لا يقوى على الحراك، ولكنه مثقل ومترف بالذكريات.
وقفت على رأسها لأرى ملامحها التي تذكّرني بطفولتي. فكانت آخر كلماتها: «خذوني معكم»، ودمعها لا يجف. أصواتنا كانت تذكّرها بذلك الزمن الذي تتمنى العودة إليه. صمتت، فرسمت على محياها ابتسامة عريضة، مغمضة العينين، كأنها في حلم جميل كان فيه لقاء الأحبة.

أتى العيد بعباءة المطر وزهوة المشتاق يبحث عن “حليمته”، فلم يجدها. فكانت دموعه أوشحة من مطر…

مسك وريحان وجنات نعيم، يا ماه حليمة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights