الأحد: 29 مارس 2026م - العدد رقم 2869
مقالات صحفية

حين يكون الإرث مسؤولية

   خلف بن سليمان البحري

لطالما وجدتُ في الاستدامة معنى يتجاوز حدود التعريفات المتداولة، ويتخطى ارتباطها الضيق بالبيئة أو الموارد فحسب. فهي في نظري وعيٌ ممتد، يقوم على حفظ ما له قيمة، وصون ما يشكّل جوهر الحياة، والتعامل مع الحاضر بروح المسؤولية تجاه المستقبل. ولعل ما يجعلني أكثر تعلقًا بهذا الجانب، أن الاستدامة لا تعني عندي المحافظة على الأشياء فقط، بل المحافظة على المعنى؛ على الإنسان، وعلى المجتمع، وعلى الإرث الذي يحمل ملامح الهوية وصدق الانتماء.

فالاستدامة في حقيقتها لا تُقاس بما نحفظه من موارد فحسب، بل بما نصونه من قيم، وما نبقيه حيًا في سلوكنا اليومي. ومن هنا تتجلى الاستدامة الاجتماعية بوصفها الامتداد الأعمق لهذا المفهوم، لأنها ترتبط بما يبقى في الناس، لا بما يبقى حولهم فقط. إنها تعني أن نحافظ على الروابط، وأن نصون العادات، وأن نُبقي المعاني التي شكّلتنا حاضرة في حياتنا، لا في ذاكرتنا .

وفي المجتمع العُماني، لا تبدو هذه المعاني غريبة أو طارئة، بل هي جزء من نسيج الحياة نفسها. فالعادات والتقاليد لم تكن يومًا مجرد ممارسات اجتماعية، بل كانت نظامًا غير مكتوب يحفظ التوازن، ويعزز التماسك، ويمنح المجتمع قدرته على الاستمرار. في الوقوف مع الآخرين، وفي تقديم واجب العزاء، وفي المشاركة الصادقة في الأفراح، وفي صلة الرحم، وفي التقدير المتبادل بين الناس، تتجسد معانٍ راسخة من الاستدامة الاجتماعية التي تُبقي المجتمع حيًا بروحه، لا بمظاهره فقط.

كما يمتد هذا الإرث إلى العلاقة الواعية مع الموارد الطبيعية التقليدية، حيث عرفت البيئة العُمانية نماذج متقدمة في حسن الانتفاع بما هو متاح دون إسراف أو استنزاف. وتبقى الأفلاج شاهدًا حيًا على هذا الوعي، بما تمثله من عدالة في التوزيع، وحكمة في الإدارة، وإدراك جماعي لقيمة المورد وأهمية استمراره. وكذلك أساليب الزراعة التقليدية التي قامت على التوازن مع البيئة، لا على الإضرار بها، عكست فهمًا عميقًا لمعنى الاستدامة قبل أن يُصاغ كمفهوم حديث.

غير أن ما يستحق التأمل اليوم، أن تسارع الحياة قد أضعف حضور بعض هذه المعاني في واقعنا، فأصبح الإرث في أحيان كثيرة يُختزل في مظاهره، بينما يتراجع في مضمونه. وهنا يظهر التحدي الحقيقي؛ كيف نحافظ على جوهر ما ورثناه، لا على شكله فقط، وكيف نبقيه حيًا في سلوكنا، لا مجرد ذكرى نعود إليها.

إن الإرث لا يُحفظ بالحديث عنه، بل بالعيش وفقه، ولا يُصان بالاعتزاز به فقط، بل بتحمّل مسؤوليته. فكل قيمة نُبقيها حيّة وكل عادة أصيلة نُمارسها بوعي وكل معنى نغرسه في الأجيال، هو امتداد لذلك الإرث الذي لا يريد أن يُروى، بل أن يُعاش.
ولهذا، حين يكون الإرث مسؤولية، تتغير نظرتنا إليه؛ فلا نراه ماضيًا نعود إليه، بل طريقًا نمضي به ولا نحمله بوصفه ذكرى، بل نعيشه بوصفه التزامًا. وحينها فقط، ندرك أن الاستدامة ليست فكرة نبحث عنها… بل سلوكًا نُحسن حمله ونُحسن تسليمه..

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights