الرحلة التي لم تكتمل

سليمان بن حمد العامري
بلدان العوامر – ولاية إزكي
صباح الأربعاء، 2 يوليو 2025م
في صباح صيفي هادئ، سكنت فيه الرياح وخفتت الأصوات، بدا اليوم كغيره من أيام الإجازة الصيفية التي أُقرّت رسميًا للتوقف عن الدراسة، لكن التربية لا تعرف توقفًا. فاستغل بعض الآباء والأمهات هذه الفرصة ليواصل أبناؤهم مسيرة التعلم، وإن اختلفت المقرات والأساليب. كان الأطفال يتهيأون للخروج كما اعتادوا، وجوههم مشرقة وحقائبهم صغيرة، لكن قلوبهم عامرة. لم يكن خروجهم إلى لهو أو نزهة، بل إلى رحلة علم تسبقها ابتسامة أم ودعاء أب، وخطوة واثقة نحو ضوء لا ينطفئ. كانت لحظة وداع عابرة في الظاهر، لكنها كانت قدر الله الأخيرة. لم يكن أحد يتصور أن تلك الرحلة القصيرة، التي بدأت من عتبة البيت، لن تكتمل.
كان كل شيء يبدو طبيعيًا حتى حدث ما لم يكن في الحسبان. حادث مفاجئ، اصطدام عنيف بعمود إنارة، ثوانٍ قليلة قلبت المعادلة، وغيّرت الأقدار، وخطت تاريخًا حزينًا في سجل بلدان العوامر. تحولت الحافلة التي كانت تنقل الأمل إلى مأساة فاجعت القلوب؛ ارتقى بعض الأطفال إلى ربهم، وأُصيب آخرون، وبقي من نجا منهم مذهولًا، لا يدرك إن كان ما رآه كابوسًا أم واقعًا. وكان السائق معهم شابًا في مقتبل العمر، يحمل في قلبه الطموح، وفي عينيه أمانة الطريق. خرج كما خرجوا، فارتقى معهم، متحدًا في النية والمصير.
لم يكن الحادث نهاية للجميع، لكنه كان جرحًا غائرًا في قلب كل بيت. في كل بيت دمعة، وفي كل قلب فزع، وفي كل زاوية من بلدان العوامر والوطن أثر لا يُمحى.
خرجوا وفي أعينهم ضوء الصباح، وفي حقائبهم بقايا الطباشير، ورائحة الدفاتر، وصوت الجرس الذي لا يزال يوقظهم كل فجر حتى في العطلات. لم يكن ليكونوا يلهون، بل كانوا يسيرون نحو نور اسمه العلم، ونحو أمل رسمته أمهاتهم بدمع ناعم على الوسائد. وفي لحظة، ارتج الطريق، انكسرت الحافلة كما تنكسر قلوب من زجاج، وسقطت الحقائب، وتناثرت الأقلام كأنها شهود الحكاية. رحلوا لكنهم لم يغيبوا، فالسماء لا تنسى أسماء الشهداء، والأرض تحفظ خطوات من خرجوا إليها، وفي نيتهم أن يكبروا بعلم ونور. يا الله، هؤلاء صغارك خرجوا إلى نورك، فادخلهم في رحمتك واجعلهم شفعاء، كأنهم لم يسقطوا بل صعدوا. صعدوا، وبقينا نحن نبكي ونحمل حقائبهم في قلوبنا إلى آخر الدرب.
يا الله، ارحم من رحلوا، واشفِ من أصيب، واربط على قلوب الآباء والأمهات، والأهل والخلان. اجعل هذا البلاء رفعة، وهذا الألم مطهرة، وهذا الفقد شفاعة. ابعث من الدمع نورًا، ومن الصدمة يقينًا، ومن نزيف القلب رحمة لا تنقطع.
إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.



