العيد في عُمان … ذاكرةُ مجتمعٍ ونبضُ هوية
علي بن مبارك اليعربي
في عُمان… لا يأتي العيد محمّلًا بالفرح فقط، بل يأتي ومعه تاريخٌ من القيم، وذاكرةُ مجتمعٍ يتقن كيف يحوّل التفاصيل الصغيرة إلى معانٍ كبيرة.
إنه ليس مجرد مناسبةٍ تتكرّر، بل تجربةٌ إنسانية تتجدّد، تُصاغ فيها العلاقات، وتُختبر فيها معاني التكافل، وتظهر فيها ملامح الهوية في أبسط صورها وأكثرها صدقًا.
ليس العيد في عُمان مجرد أيامٍ عابرة تتبدّل فيها التواريخ، بل هو حالةٌ شعوريةٌ متكاملة، تتجلّى فيها معاني الإيمان، وتنبض فيها تفاصيل الحياة الاجتماعية بروحٍ أصيلة، حيث تتعانق السنّة النبوية مع الموروث الشعبي في لوحةٍ إنسانيةٍ فريدة.
فمع إشراقة صباح العيد، يبدأ العُمانيون يومهم بطقسٍ يحمل في طيّاته دلالاتٍ عميقة؛ ففي عيد الفطر تُؤكل العرسية قبل الصلاة، بينما في عيد الأضحى يؤخَّر تناولها إلى ما بعدها اقتداءً بهدي النبي ﷺ. والعرسية — ذلك الطبق العُماني الأصيل — ليست مجرد طعام، بل هي رمزٌ للتنوّع الثقافي، إذ تُعدّ من الأرز المهروس ويُضاف إليها اللحم أو الدجاج، ولكل بيتٍ طريقته الخاصة التي تضفي عليها نكهةً مميزة، في تنوّعٍ جميل يجمع ولا يفرّق، ويعكس ثراء الذائقة العُمانية.
وتستيقظ الحارات على إفطارٍ جماعيٍّ دافئ، حيث يجتمع الناس في مكانٍ واحد، في مشهدٍ تتلاشى فيه الفوارق، وتذوب فيه الحواجز الاجتماعية. هذا الاجتماع ليس عادةً عابرة، بل هو ظاهرةٌ اجتماعية نبيلة، تُرسّخ معنى المساواة، وتمنح الفقراء حضورًا كريمًا بعيدًا عن الحرج والتكلّف، فيجلس الجميع على مائدةٍ واحدة، تجمعهم إنسانيتهم قبل أي اعتبار آخر.
ثم تتجه الجموع إلى مصليات العيد، في مسيراتٍ يعلو فيها التكبير، وتتوحّد فيها الخطى والقلوب، حتى يبلغوا فضاءات الصلاة المفتوحة أو الجوامع العامرة، حيث تتجلّى صورة المجتمع الواحد في أبهى صورها.
وبعد الصلاة، تتوزع مسارات الفرح؛ فمنهم من يقصد الذبح — خاصة في عيد الأضحى — ومنهم من ينطلق لزيارة الأرحام وتبادل التهاني، أو يتوجّه إلى ما يُعرف بـ”المخرج”، حيث تتجلّى فرحة الأطفال وتلتقي العائلات في أجواءٍ يغمرها البهجة.
وتتواصل صور التكافل في مشهدٍ إنسانيٍّ بالغ الجمال، حين يوزّع القادرون العيدية على الأطفال دون تمييز، فيأخذها الجميع — أبناء الفقراء والأغنياء — على حدٍّ سواء، في رسالةٍ تربوية عميقة تُعزّز المساواة، وتُبعد الحرج عن المعسرين، وتزرع في نفوس الصغار معنى الكرامة قبل الفرح.
وفي عيد الأضحى، يتجلى التكافل بصورةٍ أوسع، من خلال توزيع اللحوم والأضاحي على المحتاجين، فيتحول العيد إلى شبكةٍ من العطاء المتبادل، تُوثّق الروابط بين أفراد المجتمع، وتُجسّد القيم الإسلامية في صورتها العملية.
ولا يقتصر حضور الشواء في المائدة العُمانية على عيد الأضحى وحده، بل يمتد حضوره في عيد الفطر أيضًا في عددٍ كبير من محافظات وولايات السلطنة — بل في معظمها — حيث يُعدّ بطقوسه المعروفة من تتبيلٍ ودفنٍ في التنور واستخراجٍ احتفالي، وإن ظل ارتباطه بعيد الأضحى أوثق بحكم سياق الأضحية.
ويظل الشواء — في العيدين — رمزًا للصبر والجماعة؛ إذ لا يُؤكل إلا بعد انتظار، ولا يُستخرج إلا بتكاتف، وكأن العيد يعلّم الناس أن أجمل الأشياء تُصنع معًا وتُنتظر بفرح.
ولا تكتمل صورة العيد دون أمسياته، حيث تنبض الحياة من جديد عبر العزوة، والأسواق الشعبية، والفنون التقليدية كالرزحة والأهازيج، إلى جانب سباقات الهجن والخيل ومسابقات الرماية، في مشهدٍ يعكس امتداد التاريخ في حاضرٍ حيّ.
وإذا تأملنا هذه المظاهر في عمقها، أدركنا أنها لا تقف عند حدود الفرح الظاهر، بل تمتد لتؤدي دورًا تربويًا عميقًا في تهذيب النفس الإنسانية؛ فهي تغرس قيم العطاء، وتدرّب على التواضع، وتُعوّد على المشاركة، وتُربّي في النفوس معاني الرحمة والتكافل.
وهكذا تتحوّل طقوس العيد — في صورتها البسيطة — إلى مدرسةٍ أخلاقية حيّة، تُشكّل الوجدان، وتُعيد ترتيب علاقة الإنسان بذاته ومجتمعه.
إن العيد في عُمان ليس مناسبةً للفرح فحسب، بل هو ذاكرة مجتمع، ومدرسة قيم، وجسرٌ إنسانيٌّ حيّ؛ حيث تتحوّل العادات إلى أخلاق، والطقوس إلى رسائل، ويبقى العيد شاهدًا على مجتمعٍ لا يكتفي بالفرح… بل يُحسن صناعته وتقاسمه.


