الثلاثاء: 24 مارس 2026م - العدد رقم 2864
مقالات صحفية

الحروب تُقرأ بعين التاريخ لا بعين الغضب

  أحمد الفقيه العجيلي

في أزمنة الحروب الكبرى تختلط المشاعر، ويضطرب الحكم، وتصبح المواقف أسيرة الغضب أو الذاكرة المثقلة بالجراح.
ولهذا يجد كثير من الناس أنفسهم في حيرة حين يحاولون تحديد موقفهم من الصراعات المعقدة التي تجري في عالمنا اليوم، ومنها الحرب الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة والعدو الصهيوني من جهة أخرى.

هذه الحيرة ليست غريبة؛ فالتاريخ يخبرنا أن مثل هذه اللحظات كثيرًا ما أربكت الناس، لأن الصراع لا يكون دائمًا بين خيرٍ خالص وشرٍّ خالص، بل بين قوى متداخلة، لكل منها حساباته ومصالحه، وقد يحمل بعضها من الأخطاء والظلم ما يجعل النفوس تنفر منه، ومع ذلك تبقى قراءة المآلات ضرورة لفهم الصورة كاملة.

ولهذا كان العقلاء في التاريخ الإسلامي يحاولون النظر إلى الأحداث من زاوية أوسع من مجرد ردود الفعل اللحظية، فيسألون: ماذا يمكن أن يحدث بعد ذلك؟ وكيف يمكن أن تتغير موازين القوة إذا اختلّ ميزانها في لحظة معينة؟

ومن يتأمل تاريخ المسلمين يجد أن الواقع كثيرًا ما وضعهم أمام مواقف معقدة، تختلط فيها الاعتبارات الدينية بالسياسية.
فعندما سقطت القدس في يد الصليبيين سنة 492هـ، لم ينظر المسلمون إلى كونها تحت حكم الدولة الفاطمية، بل رأوا في سقوطها كارثة أصابت الأمة كلها.
ومع ذلك لم يُنظر إلى الأمر بوصفه مجرد انتقالٍ للحكم بين قوى متنازعة داخل العالم الإسلامي، بل عُدّ خسارة كبرى للأمة كلها، لأن المدينة خرجت من فضائها الحضاري إلى سلطة قوة غازية.

ومن يقرأ في سيرة القائد الشامي نور الدين محمود زنكي يجد مثالًا آخر على هذا النوع من التفكير.
فعلى الرغم من خلافه السياسي والمذهبي مع الدولة الفاطمية، فإنه لم يتردد في إرسال جيوشه إلى مصر عندما تعرضت للخطر، إدراكًا منه أن سقوطها في يد القوى الصليبية سيغير موازين القوة في المنطقة بأسرها.

ومن أبرز القادة الذين برزوا في تلك المرحلة القائد الشاب صلاح الدين الأيوبي، الذي بدأت من هناك ملامح مشروعه الكبير في مواجهة الصليبيين، الذي دخل مصر وزيرًا قبل أن تنتهي الدولة الفاطمية لاحقًا وتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة.

وإذا ابتعدنا قليلًا في صفحات التاريخ سنجد مثالًا آخر مؤلمًا، وهو ما انتهى إليه حال المسلمين في الأندلس.
فبعد قرون من الحضارة والقوة لم تسقط الأندلس فجأة، بل سقطت بعد سلسلة طويلة من الانقسامات والصراعات الداخلية بين ملوك الطوائف، حتى انتهى الأمر بسقوط آخر معاقل المسلمين في سقوط غرناطة.
وقد سجل المؤرخون أن بعض تلك الإمارات كانت تستعين بقوى خارجية ضد خصومها من المسلمين، دون أن تدرك أن ميزان القوة كان يميل تدريجيًا ضدهم جميعًا.

هذه الوقائع التاريخية لا تعني أن الخلافات داخل الأمة لم تكن موجودة، لكنها تذكّرنا بأن كثيرًا من القادة والعلماء كانوا يفرّقون بين الخلاف الداخلي وبين الخطر الخارجي الذي قد يغيّر موازين المنطقة بأسرها.

وليس التاريخ البعيد وحده من يقدم مثل هذه الدروس؛ فالتاريخ الحديث مليء أيضًا بأمثلة مشابهة.

ففي مطلع القرن العشرين، عندما قاد الشريف حسين بن علي ما عُرف بـ الثورة العربية الكبرى ضد الدولة العثمانية بدعم من الإمبراطورية البريطانية، كان كثيرون يظنون أن التخلص من الحكم العثماني سيقود إلى استقلال عربي واسع.

لكن النتائج التي أعقبت ذلك كانت مختلفة تمامًا؛ إذ دخلت معظم بلاد المشرق تحت السيطرة الاستعمارية المباشرة، وتغيرت خريطة المنطقة على نحو ما تزال آثاره قائمة حتى اليوم.

ومثال آخر أقرب زمنًا يتمثل فيما جرى بعد غزو العراق 2003.
فقد اعتقد بعضهم آنذاك أن إسقاط نظام صدام حسين سيؤدي إلى استقرار المنطقة، لكن ما حدث لاحقًا كشف أن تغيير ميزان القوة في العراق فتح الباب لتحولات إقليمية عميقة، لم تكن نتائجها كما توقع كثيرون في تلك اللحظة.

هذه الأمثلة لا تُذكر لتبرير أخطاء هذا الطرف أو ذاك، وإنما للتذكير بأن قراءة التاريخ تساعد أحيانًا على فهم تعقيدات الحاضر.

وفي ضوء ذلك تبدو الحيرة التي يعيشها كثير من الناس اليوم مفهومة إلى حد كبير.
فهناك من يعارض سياسات إيران في المنطقة ويرى أنها ساهمت في أزمات وصراعات عديدة، وفي المقابل هناك من ينظر إلى المسألة من زاوية موازين القوى في الإقليم ويتساءل عمّا قد يحدث لو اختلّ هذا الميزان بالكامل.

ومع ذلك يبقى من المهم الاعتراف بأن التاريخ لا يتكرر دائمًا بالصورة نفسها.
فبعض الباحثين يرون أن إيران نفسها أصبحت قوة إقليمية لها مشاريعها ونفوذها، وأنها ليست مجرد قوة تواجه إسرائيل، بل لاعب سياسي يسعى إلى توسيع حضوره في المنطقة.

ولهذا فإن النظر في مثل هذه القضايا لا يقوم على العاطفة وحدها، بل يحتاج إلى قدر من التوازن بين معايير الشرع وقراءة الواقع. فمن جهةٍ يقرر كثير من العلماء أن المسلم لا يفرح بتسلّط عدوٍ خارجي على طرفٍ من داخل الأمة مهما كانت الخلافات معه، لأن العداوة الخارجية غالبًا ما تكون أشد خطرًا وأبعد أثرًا.
ومن جهةٍ أخرى يرى بعض الباحثين في السياسة أن اختلال موازين القوى في المنطقة قد يفتح الباب لتحولات أعمق تمسّ مستقبلها كله. وبين هذين الاعتبارين تتشكل اجتهادات الناس ومواقفهم المختلفة تبعًا لقراءتهم للتاريخ والواقع وما يمكن أن تؤول إليه الأحداث في قادم الأيام.

وفي علم السياسة توجد فكرة معروفة تسمى توازن القوى، وهي تقوم على أن وجود عدة قوى متقاربة يمنع احتكار النفوذ من طرف واحد.
ولهذا يرى بعض المحللين أن اختلال هذا التوازن قد يفتح الباب لتحولات أعمق في مستقبل المنطقة، بينما يرى آخرون أن استمرار الصراع بين القوى الإقليمية هو في حد ذاته سبب رئيسي لعدم الاستقرار.

وبين هذه الآراء المختلفة يبقى النقاش مفتوحًا، لكن ما يبدو مهمًا هو ألا يتحول الخلاف السياسي إلى حكم متسرع يغلق باب التفكير في المآلات.

فقراءة مآلات الصراعات لا تعني بالضرورة تبنّي موقفٍ عاطفي من أطرافها، بل محاولة فهم ما قد تتركه تحولات القوة من آثار بعيدة في مستقبل المنطقة.
إنما المسألة – كما قد توحي به قراءة التاريخ – تتعلق بمحاولة فهم ما يمكن أن تتركه التحولات الكبرى من آثار بعيدة على مستقبل المنطقة.

ولعلّ الدرس الذي يتكرر في صفحات التاريخ هو أن الحروب الكبرى لا تُقاس فقط بمن ينتصر فيها لحظة وقوعها، بل بما تتركه من آثار طويلة في موازين القوة ومصائر الشعوب.

غير أن المشكلة التي تتكرر في واقعنا أن كثيرًا من الناس يتعاملون مع التاريخ بوصفه حكايات بعيدة، لا خبرةً حية يمكن أن تهدي الحاضر وتضيء الطريق للمستقبل.
ولو قرأ المسلمون تاريخهم بعين العقل والبصيرة لوجدوا فيه من العبر ما يجنبهم كثيرًا من الأخطاء التي تتكرر جيلاً بعد جيل.

ولهذا يذكّرنا القرآن الكريم بقيمة التأمل في مسار الأمم والأحداث، قال تعالى:
﴿قَد خَلَت مِن قَبلِكُم سُنَنٌ فَسيروا فِي الأَرضِ فَانظُروا كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧]

وقال رسول الله ﷺ:
«الكَيِّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني» رواه الترمذي.
وفي معناه دعوة إلى النظر في العواقب وعدم الاندفاع خلف اللحظة.
وتذكير بأن الحكمة ليست في ردود الفعل السريعة، بل في النظر إلى العواقب والمآلات.

وقد لخّص أحد الشعراء هذه الحقيقة حين قال:
إذا كنتَ ذا رأيٍ فكن ذا عزيمةٍ ، فإنَّ فسادَ الرأيِ أن تترددا.

فالتاريخ، في نهاية المطاف، لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه كثيرًا ما يترك بين صفحاته إشاراتٍ لمن أراد أن يقرأه بعين هادئة… لا بعين الغضب.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights