قراءة في سورة الانفطار .. منخفض المسرّات

عادل بن حميد الجامعي
في آخر المدى الرمضاني، يخرج القلب من موسم المجاهدة وهو يحمل أثر القرب، ثم يدخل فسحة العيد فيجد نفسه بين فرحٍ ظاهر وسؤالٍ خفي: كيف يُحفظ ما امتلأ به حين تتبدّل المواسم؟ هنا تبدأ مرحلة الإصغاء؛ يخفّ حضور البرنامج الذي صاغ الأيام، وتتقدّم صور اللقاء والتهنئة، فيكتشف الإنسان أن حفظ المعنى بعد انفضاض الموسم يحتاج وعيًا أهدأ، وعناية أخصّ. فيسأل نفسه: ماذا بقي من رمضان فيّ؟
ثم تتلبّد السماء، وتهطل الأمطار، وتتحرك الأنواء، فينخفض منسوب المسرّات السريعة. ومع استمرار مشاهد الحرب في الأفق، يتشكل في الداخل إحساس مركّب: فرح يمشي في أدب، وحزن يوقظ، وكونٌ يذكّر بأن الثبات الذي نراه يحمل في طيّاته قابلية التحول. هنا تتضح المشكلة؛ القلب يعلّق سكينته بما يجيء سريعًا ويغيب سريعًا، فيفاجأ حين تتبدّل الصور من حوله.
ومن هذا الموضع تبدأ القراءة الأعمق: السماء نفسها تحمل سرّ الانفطار، والنظام الظاهر يخفي لحظة تغيّر، والقلب أولى بأن يتقلّب. فيتحول النظر من الخارج إلى الداخل، ويبدأ الإنسان في فهم ما يمرّ به؛ انخفاض المسرّات مساحة تنكشف فيها طبقات كانت مغطاة بزينة العادة. حين تهدأ اللذة، يظهر المعنى، وحين تخفّ الضوضاء، يُسمع صوت القلب بشكل أوضح.
ويحضر المطر بمعنييه: عطاء يغمر الأرض، وإشارة توقظ الروح. فكما تحيا الأرض بالغيث، يلين القلب إذا التقط الرسالة، فيرى في الغيم درسًا، وفي الانفتاح بعد الانحباس وعدًا. ومن هنا ينشأ وعي جديد: أن الهطول قد يكون حياة للتراب، ويكون أيضًا يقظة للإنسان.
ثم تأتي مرحلة الاختبار؛ ينظر الإنسان في يومه بعين أدق، فيرى أن التفاصيل الصغيرة ترسم صورته الكبرى. كلمة، نظرة، التفاتة قلب، حزن على البعيد، خوف عند اشتداد المطر؛ كل ذلك يُنسج في داخله. فيلين، ويرقّ، ويغدو أكثر حضورًا مع نفسه. ويدرك صراعه الخفي؛ بين معنى يطلبه وملهاة تجذبه، بين أثر رمضان الذي يريد البقاء ونفس تميل إلى التخفف.
ومع طول الغيم وأخبار العالم، يتعلم القلب الانتظار المملوء بالرجاء؛ أرض تنتظر تمام السقيا، وسماء تنتظر الانقشاع، وأرواح تنتظر جوابها. فيخفّ غروره، ويقترب من معنى العبودية؛ أن يرى في كل تقلب دعوة إلى الرجوع، وتصحيح موضع الاتكاء.
ثم إذا بدأ الانقشاع، عاد السؤال في صفاء: ماذا صنعت بي هذه المرحلة؟ فيدرك أن العيد، والمطر، والحرب، ليست أحداثًا متجاورة، وإنما منازل تربية. الفرح يعلّمه الشكر، والمطر يعلّمه الرسالة، وأحوال العالم توقظ فيه الرحمة، وهذه القراءة تهزّ يقينه لتعيد بناءه على أساس أعمق.
ومن هنا يتشكل الطريق: أن يمشي بعينين؛ عين تفرح في أدب، وعين تستيقظ في خشوع. أن يعرف أن ما يبهجه سريعًا يحتاج ما يثبّته عميقًا، وأن بذور الطاعة قد تبقى تنمو في الخفاء حتى إذا جاء زمن الخفوت، أزهرت من الداخل.
وفي الختام، يبقى النداء هادئًا: ارجع إلى المعنى كلما ازدحمت الصور، وارجع إلى الذكر كلما خفّ بريق المسرّات. فثمة مطر ينزل على الأرض، ومطر آخر ينزل على القلب، وثمة انقشاع في الأفق، وانقشاع في الداخل. ومن ذاق ذلك، عبر الطرق كلّها بقلب حيّ، يعرف أن الطريق إلى الله يُفتح من باب الفرح، ويُفتح من باب الخفوت، وفي البابين سرّ قرب وحياة.



