دفائن الذاكرة
د. أبو شفيق حميد الكناني
حافظ ومحفِّظ للقرآن الكريم
من إيران
لا شك أن للقرآن الكريم في شهر رمضان المبارك طعماً خاصاً، ولوناً جذاباً، ورائحةً مميزة؛ فهو الشهر الذي أُنزل فيه القرآن هدىً للناس وبيناتٍ من الهدى والفرقان. هو شهر التلاوة؛ حيث ترى الناس بين قارئٍ وتالٍ للآيات، وبين حاضرٍ ناظرٍ في الأوقات والساعات. وهو كذلك شهر العطاء، وشهر تتآلف فيه القلوب مهما تباعدت المسافات والدروب.
والقرآن الكريم كتاب الله، وفيه ذكر الله، وبذكر الله تطمئن القلوب؛ إذن فشهر رمضان شهر الطمأنينة وشهر السكينة، في زمنٍ صار الإنسان فيه وليد اللحظة، ومحصول التفاهة في طريق المتاهة؛ يقعد على سفاهة، ويرقد على سفاهة، نهاره قلقٌ وليله أرق.
والذكر الحكيم في الشهر الكريم فرجٌ ومخرجٌ للهروب من عالم المادة الجافة والجامدة إلى عالم النفس الزكية والروح الطاهرة، والفرار من دنيا الأشباح الملتهبة المضطربة وما فيها من شكوكٍ وظنون، إلى ملكوت الأرواح في عالم الفطرة والبراءة والنقاوة والنزاهة.
﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾
سورة البقرة، الآية ١٨٤
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾
سورة القصص، الآية ٧٧
وفي هذه المقالة، وعلى هذه العجالة، أريد أن أثير دفائن الذاكرة، حتى أدعو القارئ إلى مشاركتي في هذه الإثارة، ونستخرج أثناء التلاوة مشهورات الآيات ونجمعها؛ ليكون لكل قارئٍ وتالٍ، ولكل حاضرٍ ومناظرٍ، حصيلةٌ من المحفوظات.
فكثيرٌ من الآيات القرآنية من محفوظات الناس بصورةٍ مبعثرة، سواء كانت سوراً قصيرةً مثل الجزء الثلاثين، أو سوراً طويلةً مثل سورة يوسف، أو سوراً متوسطة الحجم مثل سورة يس، أو سور فواصل مثل سورة الجمعة، أو آياتٍ متواليةٍ مشهورةٍ في صفحةٍ واحدة، مثل الصفحة الأولى من سورة البقرة، أو الصفحة الثانية من سورة لقمان، أو الصفحة الأخيرة من سورة الحشر، وكذلك الصفحة الأخيرة من سورة الزمر.
فمجموع هذه الآيات، لو تم جمعها وترتيبها للحفظ، ستكون ثلاثة أجزاء على الأقل، وثلاثة أجزاء تعادل مجموع مئات الآيات من القرآن الكريم، وليس هذا بالقليل. وطبعاً ستكون عملية حفظها أسهل بكثير من حفظ غيرها من الآيات؛ لأن هذه الآيات المشهورة اعتاد الناس على سماعها بصورةٍ إرادية أو غير إرادية، فاستقرت في الذاكرة. ولأن الذاكرة لا تصل إلى صفر، فلا يحتاج الحافظ سوى إثارة دفائن ذاكرته، ليعود الماء في نهر محفوظاته جارياً في مجراه الطبيعي.
أخيراً وليس آخراً، هذه دعوة لإحياء الذاكرة، وإثارة الراكد فيها من آيات الذكر الحكيم، في هذا الشهر المبارك الكريم.



