الجمعة: 20 مارس 2026م - العدد رقم 2860
مقالات صحفية

موت الخبر العاجل

د. محفوظ بن خميس السعدي

في ظل التطور التكنولوجي، وتعدد منصات التواصل الاجتماعي، وتعدد مصادر استقاء الأخبار أو استيفاء الخبر، وفي ظل ما أضحى فيه الخبر العاجل في وسائل الإعلام التقليدية (صحف – إذاعة – تلفزيون) يفقد السبق، أو أنه لم يعد يتسم بصفة العاجلة الآنية أو اللحظية أو في حينه، فهل نستطيع أن نقول بموت الخبر العاجل في وسائل الإعلام التقليدية، على شاكلة مقاربة موت القارئ أو موت المؤلف؟
تبدو المقاربة بين “موت المؤلف” لرولان بارت ووضعية الخبر في العصر الرقمي مقاربة رصينة؛ فكما انتقلت السلطة من الكاتب إلى القارئ في التفكيكية، انتقلت سلطة “صناعة اللحظة” من المؤسسة الإعلامية الضخمة إلى المستخدم العادي المزود بهاتف ذكي. وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال: هل سحبت منصات التواصل البساط من الإعلام التقليدي؟
ولكي نجيب على هذا السؤال، لا بد من معرفة المسيرة التاريخية لمثل هذه المقاربة؛ ففي ستينيات القرن الماضي أعلن الفيلسوف الفرنسي رولان بارت “موت المؤلف”، معتبرا أن النص يولد لحظة قراءة الجمهور له لا لحظة كتابته. واليوم، ونحن نعيش ذروة الانفجار الرقمي في عام 2026، يبدو أننا نشهد نبوءة مشابهة تخص العمل الصحفي، وهي “موت الخبر العاجل” بصيغته التقليدية (الصحف، الإذاعة، والتلفاز)، ليولد بدلا منه “خبر المشاع” أو “الخبر التشاركي”.

وبالتالي تنكسر الصورة العتيقة التقليدية لاحتكار “السبق”، والذي ظل هذا السبق محصورا في دوائر ضيقة تحميه من أن يكون حصريا لتلك الدوائر. فقد كانت الشاشة الحمراء التي تومض بعبارة “خبر عاجل” على شاشة التلفاز تمثل ذروة السلطة الإعلامية، وكانت المؤسسات التقليدية تملك الأدوات: الأقمار الصناعية، وسيارات البث المباشر، وشبكة المراسلين.

أما اليوم، فقد تحول كل شاهد عيان إلى “مراسل محتمل”، وباتت منصات التواصل الاجتماعي مثل (إكس، تيك توك)، وتطبيقات المراسلة الفورية، هي المصدر الأول للحدث.

عندما يقع حدث ما، يسبق “الوسم” (Hashtag) في الغالب نشرات الأخبار بدقات حاسمة. هنا، لم يعد الخبر العاجل في التلفزيون عاجلا بالمعنى الزمني، بل أصبح تأكيدا لما عرف سلفا. فمن السرعة إلى التحقق، إلى محطة تحول الدور، هكذا أصبحت رحلة الخبر العاجل. فإذا سلمنا بموت السبق في الإعلام التقليدي، فهل يعني ذلك موت الوسيلة نفسها؟ الإجابة تكمن في إعادة تعريف الدور، في ظل فوضى المعلومات والأخبار الزائفة (Deep fakes) التي اجتاحت الفضاء الرقمي، وانتقال ثقل الإعلام التقليدي من سؤال “من قاله أولا؟” إلى سؤال “من قاله بصدق؟”.

لقد مات الخبر العاجل كسبق زمني، لكنه بعث من جديد كشهادة توثيق. لم يعد المشاهد ينتظر التلفاز ليعرف ماذا حدث، بل ليشاهد تحليلا لماذا وكيف حدث، وللتأكد من أن ما رآه على منصات التواصل ليس مجرد شائعة أو تلاعب بصري.

فالمفارقة هنا تشبه موت القارئ وموت الخبر؛ فعلى غرار نظرية موت القارئ، حيث يتحرر النص من سطوة كاتبه، تحرر الخبر العاجل من سطوة رئيس التحرير. الخبر اليوم ملك للجمهور؛ هم من يصنعونه، وهم من ينشرونه، وهم من يقررون مدى أهميته عبر ما يعرف بـ”التريند”.

هذا التحول أدى إلى فقدان الإعلام التقليدي لجاذبية “الومضة الأولى”. فأصبح “العاجل” على شاشة التلفزيون يبدو أحيانا كأرشيف قريب، أو صدى لضجيج حدث في مكان آخر قبل دقائق أو حتى ثوان، وهي فجوة زمنية في عصر السرعة تعادل دهرا.
إن إعلان موت الخبر العاجل في الوسائل التقليدية ليس إعلانا لنهاية هذه الوسائل، بل هو إعلان عن نهاية وظيفتها كناقل أولي. لقد أجبر التطور التكنولوجي الصحافة التقليدية على خلع ثوب المخبر السريع، وارتداء ثوب المحلل الرصين.

فلم يعد الخبر العاجل ملكا لمن يملك القناة، بل لمن يملك اللحظة ويوثقها بهاتفه. وما تفعله وسائل الإعلام التقليدية اليوم ليس إلا محاولة اللحاق بقطار انطلق بالفعل، محاولة إضفاء صبغة رسمية على واقع فرضه الفضاء الافتراضي.

ومع ذلك، يظل لوسائل الإعلام التقليدية نافذة أمل في استمرارية العاجل في أخبارها، بتغيير جلدتها من خلال عدم بث أو نشر أو إذاعة الخبر مجردا، وإنما أن يتبع الخبر النزول إلى ميدان وقوعه، والبحث عما وراء رواياته، وبالتالي قد ينعكس السبق في تفاصيل ما وراء الخبر. وفي ظل أن منصات التواصل الاجتماعي لم تكتف بالسبق في المكتوب أو المسموع، وإنما طاله بشكل أكثر دقة المرئي، الذي اتسم بمقاطع ذات ثوان معدودة، لكنها تلم بكافة جوانب الخبر، وتعطيك الخبر كوجبة سريعة كاملة الدسم.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights