الإثنين: 02 فبراير 2026م - العدد رقم 2814
مقالات صحفية

بخس التكبر ..

   سليمان بن حمد العامري

هل البدايات صعبة؟
يقول البعض إن البدايات صعبة، ولهذا تعليل، بينما يرى آخرون أن الانطلاقة أو الخطوة الأولى هي الأصعب، ولكلٍ منهم مبرراته. وهذه الآراء ليست محلّ جدل؛ لأنها تنبع من تجارب شخصية أوصلت أصحابها إلى تلك القناعات. لكن ما سبق ليس موضوع هذا المقال، وإنما هو مدخل لما أريد الحديث عنه، وجوهر المسألة يتمحور حول سؤالٍ أعمق: لماذا نحب إظهار قوة أفكارنا على حساب الآخرين؟

رغم أن القرآن الكريم لم يأمر بالصراع في الجدال، ولم يجعل من المخالف خصمًا أو عدوًا. نسمع أحيانًا بعض المجادلين في شتى القضايا يعلنون أنهم وحدهم على صوابٍ يقيني، وأن من خالفهم ضال أو ملعون، ويُطلقون من الألفاظ ما شاء لهم من سبٍّ وتجريح. والعجيب أنهم يتزيّنون بسمات الصلاح، ويتخذون لأنفسهم صورة الواعظ أو الداعية، ومع ذلك يتناسون قول رسول الله ﷺ: «ليس المؤمن بالطعّان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا البذيء».

فما بال من يصفه الناس بالعلامة أو الشيخ الذي يُقتدى به؟ أعود إلى جوهر الفكرة، إذا خالفني شخص، وخالفته، فكلانا يحتمل أن يكون على حق، أو أن يكون مخطئًا. هل نزل الوحي لتثبيت رأي أحدنا؟ أم هو اجتهاد يؤجر صاحبه إن صدق؟

ألم نقرأ في السيرة النبوية مواقف عديدة اختلف فيها الصحابة مع رسول الله ﷺ في مسائل دنيوية، ولم يكن ردّه إلا الإصغاء، وربما الأخذ بالرأي الآخر؟ ومن أشهر تلك المواقف أن أحد الصحابة سأل النبي ﷺ: أَمِن عند الله هذا أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فلما علم أنه ليس وحيًا، قال رأيه بكل أدب، فاستمع إليه رسول الله ﷺ، ولم يتعالى عليه، وهو خير البشر وخاتم المرسلين.

أفلا يكون في هذا درسٌ بليغ لكل من يدّعي الاقتداء برسول الله؟ يا من تتصفون بالصلاح وتقولون إن قدوتكم رسول الله، أين أنتم من هذه الأخلاق؟ أهو الاقتداء محصور في الهيئة، إطلاق اللحية، وقص الشارب، والتشديد على الناس في ذلك، مع الغفلة عن جوهر الأخلاق، وسعة الصدر، واحترام الاختلاف؟

ولا يفوتني هنا الحديث عن مسألة التعليم والعلم. فمن المؤسف أن ترى بعض من تعلّم العلوم الشرعية أو علوم اللغة العربية يتعالى على غيره، وربما احتقر من لم يُتح له هذا العلم. ألا يعلم أن الله سخّر له هذا الفهم لا ليدلّ على فضله الذاتي، بل لحكمة قد تكون ابتلاءً أو استدراجًا؟ وهل يظن أن علمه سينجيه من الكِبر واحتقار الناس، وقد قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر»

نعم، هذا مقال متشابك في أفكاره، لكنه يلتقي عند معنى واحد، الاختلاف في الفكر والعلم لا يمنح الإنسان حق التعالي على الآخرين، ولا يبرر التكبر عليهم بأي صورة كانت.

فاحذر، أخي، فإن التاريخ مليء بالعبر، قال الله تعالى ، على لسان قارون:
﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights