ضبط القبائل والعشائر
سيف العبري
لقد أتت فترة من الزمان على عُمان تسود فيها القبيلة أقوام وأقاليم، وكادت أن تكون القبيلة أمة بذاتها، حتى إن بعضها تعاطى مع المستعمر الأجنبي باستقلال وتفرد خاصة في الأطراف النائية، مستغلة بذلك الضعف الذي أصاب الدولة المركزية، وطبعاً غير خافٍ على المطلع على التاريخ من الذي كان صاحب المصلحة في تمزيق الإمبراطورية العُمانية، فكان المخطط يجري بالخبث الممنهج حتى أدخلها طريقاً سار بها في دهاليز قادتها إلى غياهب أتون القرون الوسطى، حيث لا تعليم ولا خدمات صحية ولا وسائل تواصل، فتحولت السيادة إلى القبيلة وأخذ بعضها ينحو منحى الاستقلال برفع علم خاص، وحكم محلي حر لا معقب عليه، وكأن تلك الشرذمة ذاهبة إلى ما لا نهاية، حتى قيض الله للوطن منقذا فذا سابق الزمن ليُعيد عُمان إلى جادة الحق والمجد والعز.
إلا أن هذه المرحلة انتهت ببزوغ فجر 23 يوليو 1970م، عندما تولى جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم طيب الله ثراه الحكم، فقاد نهضة شاملة أخرجت البلاد من ظلمات الجهل والتخلف إلى نور الحياة العصرية الحديثة.
وقد لعبت القبيلة دورًا كبيرًا في بناء عُمان الحديثة، حيث ساهم شيوخ القبائل في توطيد الأمن والاستقرار، وصانوا الثغور البعيدة وهيأوها لقدوم التنمية. إلا أن مرحلة حكم القبيلة خلفت آثارًا سلبية على صفاء النسب، حيث ضمت بعض القبائل قسرًا إلى قبائل أكبر، وانتحل بعض الأفراد صفة قبائل أخرى. إن عهد النهضة أتى ليوحد الوطن تحت راية واحدة وقائد واحد، وبذلك تولت الدولة مسؤوليتها في كفالة الأمن والعدل في كافة ربوع الوطن العُماني. إلا أن حفظ نسب الناس بهدف التعرف عليهم يعد حقًا شخصيًا كفله النظام الأساسي للدولة.
لذا، فإن إعادة الأمور إلى نصابها وتحديد نسب الناس بشكل صحيح يعد ضرورة ملحة، خاصة وأن تعداد السكان في ازدياد مضطرد، وتشابه الأسماء وتداخلها وتشعبها أصبح حتميًا مع الكثرة.
يمكن تحقيق ذلك من خلال استحداث نظام يلزم المواطن بالرجوع إلى أصله، هذا لا يعني تقليص دور القبيلة، بل هو تصحيح لما حدث في الماضي، ويهدف إلى الحفاظ على الوحدة الوطنية وتعزيز الانتماء إلى القبيلة الأم، وحفظا للنسب الصحيح والخلاف الشرعي والأسري في عملية تقاسم الإرث بعد وفاة رب الأسرة وغيرها من الأمور التي تخلق عقبات كثيرة في المستقبل…
الحديث النبوي الشريف الذي يدعو الناس إلى عدم الانتساب إلى غير أبيهم الحقيقي والرجوع إلى الأصل هو: “لَا يَنْتَفِعُ مِنْ وَلَدٍ مِنْ أَبٍ غَيْرِ أَبِيهِ، وَلَا يَوَلِي وَلِيُّ وَلَدٍ مِنْ أَبٍ غَيْرِ أَبِيهِ، وَلَا يَنْتَسِبُ امْرُؤٌ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ إِلَّا كَفَرَ، أَوْ نَسَبَ نَفْسَهُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ”- رواه ابن ماجة في سننه، برقم 2741، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة، برقم 2199.
وقد ورد كذلك: “لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ، وَمَنْ ادَّعَى قَوْمًا لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ نَسَبٌ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ”-(رواه البخاري ومسلم).
ويجب على الشخص الذي انتسب إلى غير أبيه أو قبيلته الحقيقية أن يتوب إلى الله تعالى، ويقول الحقيقة إذا سئل عن أصله وقومه. ولا يلزمه إخبار من كذب عليهم، بل يمكنه أن يستتر بستره، فإن الله غفور تواب رحيم. هذه الأحاديث الشريفة تحذر الناس من الانتساب إلى غير أبيهم الحقيقي، ويؤكد على أهمية الحفاظ على النسب الصحيح.


