الأربعاء: 11 مارس 2026م - العدد رقم 2851
مقالات صحفية

رَســائـِـل فُـــؤَاد_ ج_١٨_ حواجز بين الخُطـوط الحَـمراء

فؤاد آلبوسعيدي

أحياناً نُنصت إلى الحكماء لا تقديساً وتعظيماً لهم بل لأنّ بعض المعاني لا تنجلي إلا من بعد مسافة التجربة..؛ فالكلمة الخارجة من وعيٍ مُجرَّب (الحكماء وأصحاب الخبرة من كبار السّن) قد لا تُقنع بقدر ما تُضيء..؛ وقد أعجبني ما قرأته في إحدى كُتبِ أحد الحكماء الفلاسفة حيث قال:
“إجعل من وعيك نقطةَ بدءٍ في علاقاتك مع الآخرين، لا ساحةَ صراعٍ مع من يخالفك الرأي، واجعل من الحكمة أفقًا يتّسع لما لا يُقال ولا ينتهي”.

…بعض التجارب في حياتنا لا تنتهي عند حدودها الزّمنية بل أنّها قد تمتدّ فينا بصمتٍ عميقٍ وطويلٍ وذلك لأنّ أثرها لم يُفكَّك بعد؛ وهنالك في أعماقنا الدّاخلية رسائل نفسيّة خفيّة لا يدري عنها الآخرين.. وقصصٍ صامتة لا نحكي عنها لمن حولنا.. قد تشكّلت في لحظاتٍ صادمة ومؤذية وأوقاتٍ هشّة ومضطربة؛ فاستقرّت في طبقات الذاكرة العميقة..، هي رسائل لا تُلحّ بصوتٍ عالٍ لكنها تُعيد حضورها كلّما تٓكرّر السّياق أو لامس الوعي ظلّها الذي نرهبه ونخافه صداه أحياناً..؛ هذه الرسائل ليست مجرّد ذكريات مكنونة؛ بل هي كهياكل معنوية غير مكتملة البناء.. مشوهة للعمران الفكريّ..، هي رسائل تؤذي مشاعرنا لأنّها مُبهمة وهي فقط تتطلّب الفهم والإستيعاب أكثر مما تتطلّب النّسيان الأبديّ.

..بعض الرسائل التي تراودنا بين الفينة والأخرى لا تخفّ وطأتها إلاّ حين تنتقل من حيّز الصمت إلى حيّز الإدراك..
فبعض الأوجاع ليست عابرة لا لأنها لم تُستنفد بل لأنها لم تُفهم..؛ فهنالك ثَمّة رسائل خفيّة وُلدت في لحظات هشّة استقرّت في طبقات الذاكرة الأعمق لا تُحدِث ضجيجًا لكنها تُبقي أثرها قائمًا.؛ تعود الرسائل لا لتُتَذكّر بل لتسأل: ما الذي لم يُفهم بعد مما حدث؟!؛ هي رسائل لا تخفّ وطأتها إلا حين تنتقل بمشاعرك من حيّز الصّمت إلى حيّز الوعي والإدراك، تلك الرّسائل الداخلية حين تُفكّ من التماهي ويُعاد وضعها في سياقها الحقيقي عندها لا يعود الألم سيّد التجربة بل شاهدًا عليها ويستعيد الوعي اتزانه لا لأنّ ما كان قد زال بل لأن معناه قد اتّضح.

..في خضمّ الحياة اليومية نخوض الكثير من الصّراعات الحادّة والمفاجِئة التي قد يأتي بعضها من حيث لا ندري عن مصدر منبعها ولا نعلم حتى عن أصلِ إنبثاق ماهيّتها؛ وذلك لكونها ربّما ابتدأت وتولّدت كالبالونة المنفوخة التّي ما أن يشتدّ عليها النّفخ بالهواء إلاّ ونراها تتمدّد أكثر وأكثر لتكبر حتّى تنفجر علينا فجأةً على شفاهنا، لكوننا أبداً لم نعلم عن مقدار حدود النّفخ عليها؛ بل والأصحّ هو لأننا لم نعرف أبداً الحجم الأقصى الذي ستتحمّله البالونة قبل أن تنفجر علينا.

..للأسف في بعض صراعاتنا المختلفة مع الآخرين ننسى الكثير من الأمور التي كانت تجمعنا معهم، وخصوصاً في الحالات التي تكون فيها الجهة التي سنقابلها في دائرة الصّراع الحاد أحداً من أولئك الآخرين المقرّبين إلينا؛ فننسى ساعتها لحظات الودّ والوئام التي كنّا نعيشها معهم، بل وقد ننسى أوقات الوفاق والسّلام والاحترام الكثيرة التي كانت مغلّفةٍ بأقفالٍ قويّة ومُغلقة بإحكامٍ تمنع حدوث نشوز الأوصال ووقوع فتور العلاقات معهم. وللأسف كذلك قد نصل إلى أنْ ننسى بأننا كنّا معهم مضرب الأمثال عند جميع من كان ينظر إلينا من حولنا ونحن نعيش تلك العلاقات المُستقرّة والسّعيدة لفترات طويلة جدّاً.

.. بكلّ أسف ونحن في خضمّ بعضاً من تلك الصّراعات التي تعكّر مزاجياتنا الراقية سيحدث أنْ ننسى جميع الرّايات ذات الخطوط البيضاءة الهادئة التي قمنا برفعها.. ونحاول في المقابل منع الآخرين من محاولة تجاوز ذلك الخطّ الأحمر غير المرئيّ الذي صنعناه في عقولنا ونحن نتعامل معهم لكي لا تخرج الأمور أكثر عن زمامها الهادئ ولكي لا نفقد السّيطرة تماماً..! ولكن هيهات فبعض تلك الخطوط الحمراء قد يحاول أنْ يتجاوزها بعضهم بكلّ يسرٍ وسهولة وأريحيّة وهم قد لا يعلمون عن نتائج ذلك ربّما جهلاً أو تغافلاً منهم وربّما قد يكون ذلك بدافع أو قصدٍ منهم؛ وذلك فقط من أجل اختبار قدراتنا الفكرية الرّاقية وفلسفتنا الهادئة.

يقول أحدهم..
(كلّ سيّئة ستعترضك لها ما يقابلها من خيرٍ وإيجابية)

..في الواقع نحن مهما حاولنا أنْ نضع نقاطاً على الحروف لكي نكون في أبهى الصّور الجميلة، ومهما فعلنا لكي نكون في المستوى المطلوب من الكمال والأناقة، ومهما وضعنا من خطط ومقترحات لكي نكون في أعلى القمّة؛ فإنّنا قد لا نستطيع السّيطرة والتّحكم بجميع ما قد يقابلنا ويُجابهنا من ظروف في حياتنا اليومية، فهنالك بعض من تلك اللّحظات الحرجة التي ستربك مساراتنا التي ستحعلنا نختبر بعض الأوقات الطارئة والمريرة التي عندما تعصف علينا ربّما أحسسْنا وقتها بالتوتّر وبانعدام السّيطرة على أفعالنا وأقوالنا.. وربّما أحسّ الآخرين كذلك بعدها بتغيّر المشاعر والملامح والأحاسيس فجأة..؛ تلكم الأوقات عندما نخوض فيها قد نتّجه بمشاعرنا إلى أن نكره مرورنا إلى تلك الأوقات السّيئة التي حتماً ستعكّر مزاجياتنا وقد تغيّر علينا صفوة وهدوء أفكارنا.

..ولذلك يجب علينا أحياناً أن لا ننسى بأنّه رغم سواد وعتمة وسواد اللّيالي إلّا إنّنا وبمزيدٍ من النّظرة الدّقيقة إلى السّماء سنحبّ مشاهدة تلك النجوم البيضاء اللّامعة التي ستبهجنا حتماً ودائماً.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights