الإثنين: 09 مارس 2026م - العدد رقم 2849
مقالات صحفية

اللطف في الدعوة .. قراءة تحليلية من كلمة المفكر الدكتور سيف بن سالم الهادي حفظه الله

  عادل بن حميد بن عبدالله الجامعي

في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات، وتشتدّ فيه نبرة التصنيف والحكم، ويغدو الخطاب الديني عند بعض المتحدثين أقرب إلى التقويم الجاف منه إلى الهداية الرحيمة، يبرز اللطف بوصفه جوهرًا منهجيًا يعيد للدعوة روحها الأولى، ويمنحها قدرة أعمق على النفاذ إلى القلوب. الإنسان حين يشعر بأن الكلمة صادرة عن قلب واعٍ، وعقل رزين، وتجربة متأملة، يميل بطبيعته إلى الإصغاء، ويتهيأ داخليًا لتلقّي المعنى في صورة طمأنينة واستعداد. ومن هنا تأتي أهمية الوقوف عند كلمة الشيخ المفكر الدكتور سيف بن سالم الهادي حفظه الله؛ فهو من الأصوات الفكرية التي لا تكتفي بإعادة إنتاج الخطاب، وإنما تُنقّي معانيه، وتعيد ترتيب أولوياته، وتقرأ الإنسان قبل أن تخاطب سلوكه. في كتاباته وكلماته حضور لعقل عميق، ونَفَس إنساني رفيع، وقدرة على الجمع بين أصالة الموروث وحساسية الواقع المعاصر. القارئ لأحرفه لا يقرأ وعظًا عابرًا، وإنما يلتقي برؤية تُعيد تعريف الدعوة بوصفها علاقة رحمة ومسؤولية، وتعيد للدين لغته القريبة من القلب.

هذا المعنى تجلّى بوضوح في كلمته التي -ألقاها في حفل حصاد لجنة الزكاة والصدقات بولاية العامرات السنوي- تناول فيها مسألة تلقي المسكين والفقير والمحتاج، حيث أعاد توجيه النظر إلى أن لحظة الوقوف أمام السائل ليست مقام فحص أو شك، وإنما مقام أخلاقي دقيق يُقاس فيه صفاء القلب قبل سلامة الإجراء. المحتاج حين يطرق باب العطاء يحمل ضعفه قبل حاجته، وطريقة الاستقبال تترك في نفسه أثرًا قد يفوق قيمة ما يُقدَّم له. الرفق في التلقي يصون الكرامة، ويحوّل العطاء إلى رسالة إنسانية، ويغرس في القلب شعور القرب والأنس. ويتعمّق هذا الفهم حين يُستحضر الأثر الثابت عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، حين قيل له إن بعض رقيقه يتصنّع العبادة طلبًا للعتق، فقيل له إنهم يخدعونه! فجاء جوابه جامعًا لمعنى دقيق في فقه الظاهر والباطن: “فمَن خدعنا بالله انخدعنا له”، وهو أثر ثابت مرويّ عن نافع مولى ابن عمر، أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء، ونقله ابن الجوزي في صفة الصفوة (أبو نعيم، حلية الأولياء، ج1؛ ابن الجوزي، صفة الصفوة، ترجمة عبد الله بن عمر). هذا الجواب يرفع السؤال من مستوى الريبة إلى مستوى العبادة، ويجعل السائل مرآة يختبر فيها المعطي صدق توجهه، ويُسند السرائر إلى علم الله، ويكتفي بظاهر الحال في المعاملة.

ومن المهم هنا التنبيه إلى أن عبارة “أعطني من مال الله” ثابتة في قصة أخرى مع النبي ﷺ في شأن الأعرابي الذي طلب العطاء، وقد وردت في شروح الحديث ضمن الصحيحين، -وهي قصة مستقلة عن أثر ابن عمر-. الجمع بين القصتين يجري أحيانًا في سياق وعظي تركيبي، أما الأثر المسند عن ابن عمر فدلالته قائمة بذاتها على مبدأ قبول الظاهر، وإيكال الباطن إلى الله، وهو المعنى الذي ينسجم مع ما طرحه الدكتور سيف في قراءته الأخلاقية لمسألة العطاء (يراجع: الزرقاني، شرح الموطأ، كتاب الجامع، باب حسن الخلق). هذا الإدراك ينقل تلقي المحتاج من إجراء إداري إلى مقام قيمي، ومن حسابات الاشتباه إلى مساحة عبادة خالصة.

الفقير حين يقف أمام المعطي يحمل سؤال الرحمة قبل سؤال المال، ويحمل رجاء الأمان من الإذلال قبل أي مطلب آخر. اللطف في هذه اللحظة يصير لغة صامتة تُشعره بأن إنسانيته محفوظة، وأن حاجته باب قربٍ إلى الله، وأن العطاء فعل محبة قبل كونه نقلًا للمال. ويمتد هذا الجوهر إلى الخطاب الدعوي كله؛ فالخطاب الذي يتشح باللطف يحافظ على قدرته الإصلاحية، ويمنح المخطئ أفق رجوع، ويصوغ العلاقة مع الناس على أساس العناية والرحمة. الخطأ يُبيَّن أثره، وتُوضح حدوده، ويُحذَّر من نتائجه، غير أن الإنسان يظل موضع اهتمام، ويظل القلب مقصد الخطاب قبل السلوك.

وحين يتجسد هذا الفهم في العمل الزكوي والخيري، يتحول العطاء إلى بناء ثقة، وتغدو الزكاة والصدقات جسرًا حيًا بين العبادة والواقع الاجتماعي. المؤسسة التي تُحسن لغة اللطف تصنع أثرًا باقيًا في النفوس، وتُنمّي شعور القرب من الله عبر خدمة خلقه، وتؤسس لثقافة عطاء راشدة تُغذّي القيم.

لهذا كلّه، تهمّ القارئ قراءة أحرف الدكتور سيف بن سالم الهادي؛ لأنها تعيد إليه المعنى الهادئ للدين، وتمنحه ميزانًا دقيقًا في النظر إلى الناس، وتوقظه على أن اللطف ليس زينة للخطاب، وإنما روحه الحقيقية، وأن الدعوة حين تُمارَس بهذا الوعي تستعيد صفاءها، ويغدو أثرها أعمق، وأصدق، وأبقى في القلوب.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights