الجمعة: 13 مارس 2026م - العدد رقم 2853
مقالات صحفية

هل وصلت إلى وجهتك؟

د. محفوظ بن خميس السعدي

يطرح المقال سؤالين مهمين يحتاجان إلى إجابات واضحة:
هل البودكاست هو هروب جديد؟ وهل يعيد البودكاست تشكيل مستقبل الإعلام الرقمي؟
وقبل الخوض في غمار الإجابة عن هذين السؤالين، يشير المفكر السعودي عبد الله الغذامي، في بودكاست عرب الذي يقدمه الشاعر جمال الملا، إلى أن الشعر خطاب ثقافي، وأن محمود درويش ناثر وليس شاعرًا، وأن أدونيس حداثي رجعي. كما ذكر أن شريط الكاسيت حقق نقلة نوعية في التقنية أسهمت في انتشار الأفكار صوتيًا خلال فترة زمنية معينة.

ولزوم ما يلزم ذكره هنا أن المفكر عبد الله الغذامي ليس موضوع هذا المقال، وإنما ما أورده يمثل دلالة على نقلة تقنية نوعية في تلك المرحلة، مع ارتفاع أسهم تقنية الكاسيت لدى الناس، إذ عد الكاسيت حينها طفرة تكنولوجية جبارة، تمامًا كما ينظر الجالس اليوم خلف شاشة الحاسب الآلي إلى طفرة البودكاست في عصرنا الحالي.

انطلق البودكاست إلى فضاء الإعلام الرقمي العالمي عندما صاغ الصحفي بن هامرْسلي من هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) مصطلح “بودكاست” في فبراير 2004، جامعًا بين كلمتي “آيبود” و”بث”. ويقصد به تسجيلات صوتية أو مرئية تبث عادة عبر منصات مثل Spotify وYouTube وغيرها، ويمكن اعتباره برنامجًا إذاعيًا مسجلًا مسبقًا يتناول موضوعًا محددًا، كالتسويق، واللياقة البدنية، ونمط الحياة، والسفر، والعقارات، وغيرها.

وقد انتشرت شعبية البودكاست انتشار النار في الهشيم بعد جائحة كوفيد-19، إذ أصبح بالإمكان الاستماع إليه عبر أي جهاز، سواء كان هاتفًا ذكيًا، أو جهازًا لوحيًا، أو حاسوبًا محمولًا، أو مكتبيًا.
وشهدت صناعة البودكاست ازدهارًا هائلًا خلال السنوات الأخيرة، حيث بلغ عدد مستمعيه حول العالم نحو 584 مليون مستمع، ومن المتوقع أن يصل العدد إلى قرابة 650 مليون مستمع بنهاية عام 2027. وتشير دراسة أجرتها مؤسسة Edison Research إلى أن الاستماع إلى البودكاست ينمو بوتيرة أسرع بين الفئة العمرية من 35 إلى 54 عامًا.

ويظهر التقرير الأول عن حال صناعة البودكاست في العالم العربي لعام 2024م، الصادر عن نادي دبي للصحافة والمنشور بتاريخ 26 مايو 2024م، أن البودكاست وجد بيئة عربية خصبة أسهمت في ازدهاره بشكل كبير، حيث يمنح البودكاست الضيف أريحية في الحديث دون التقيد بزمان أو مكان. ومن وجهة نظري، فإن البودكاست يمثل هروبًا جديدًا وتجددًا من التقاليد والنمطية والقوانين التي تحكم البرامج الحوارية في وسائل الإعلام العربية التقليدية، بل وحتى بعض القوانين الصادرة مؤخرًا في مجال الإعلام الرقمي، التي ساقت بنودًا ومواد صارمة تهدف إلى تقييد الإعلام الرقمي ومحاولة الحد من انتشاره وتنوعه.

ويقدم تقرير معهد رويترز للأخبار الرقمية لعام 2025م رؤية متعمقة لأبرز التحولات في سلوك الجمهور الإعلامي نتيجة صعود البودكاست كمنصة إخبارية ومعلوماتية، مقابل تراجع الثقة في المؤسسات الإعلامية التقليدية، والاعتماد المتزايد على منصات التواصل الاجتماعي والمؤثرين كمصادر إخبارية رئيسية.

ويعتمد التقرير على استطلاع رأي إلكتروني أجرته شركة YouGov بين يناير وفبراير 2025، بمشاركة أكثر من 94 ألف مستخدم نشط للإنترنت يمثلون 47 سوقًا إعلاميًا. كما شملت الدراسة عينة من 60 صانع محتوى بودكاست في العالم العربي، عبر استبانة إلكترونية موجزة تضمنت 13 سؤالًا. ويبين التقرير صعود المؤثرين والشخصيات العامة ودورهم المتنامي في تشكيل الرأي العام، خصوصًا لدى جيل Z، مع ارتفاع ثقة الجمهور بهم مقارنة بالصحفيين التقليديين، رغم افتقار كثير منهم إلى الخبرة الصحفية وعدم التزامهم بتدقيق الأخبار.
وفي خضم هذه التحولات، برز لاعب جديد في معلب التقنية، هو الذكاء الاصطناعي، كلاعب رئيسي في إنتاج وتوزيع الأخبار، مع ظهور منصات مثل ProRata.ai التي تعوض الناشرين عن استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب شركات كبرى مثل OpenAI وPerplexity. ويقابل ذلك تراجع متزايد في مكانة الإعلام التقليدي كمصدر إخباري، لصالح الإعلام الاجتماعي والمؤثرين.

ويعني ذلك أن إعادة تشكيل مستقبل الإعلام الرقمي باتت محصورة بين فكي كماشة: البودكاست والذكاء الاصطناعي. فقد أتاح الاعتماد المتزايد على التطبيقات والمنصات الذكية المتوافرة في متناول اليد عبر الهواتف، تعرض الفرد شبه اليومي لبرامج البودكاست، التي تمنحه نوعًا من التنفيس والتعبير من خلال حديث مسترسل وغير مقيد بقواعد اللعبة الإعلامية التقليدية. كما أتاح البودكاست ظهور شخصيات قد لا تكون مرغوبة أو مقبولة في الإعلام الرسمي التقليدي، ولا تنطبق عليها المعايير الصارمة التي تضعها تلك الوسائل عند اختيار ضيوفها وموضوعاتها.

وبالتالي، قد لا ينال البودكاست رضا الجميع، لكنه يمتلك جمهورًا واسع الانتشار، وأسهمت منصات التواصل الاجتماعي في ترسيخ حضوره. ومع بروز الذكاء الاصطناعي بكل ما يحمله من ثقل الخوارزميات، التي قد تستبدل الآلة بالإنسان، وظهور مذيعين وضيوف يعملون بالذكاء الاصطناعي، بل ومنصات تدار بالكامل بالذكاء الاصطناعي، فلا غرابة أن نجد في المستقبل بودكاستًا يكون فيه المذيع والضيف والمنصة جميعهم من صنع الذكاء الاصطناعي.

ومن هنا يأتي اسم البودكاست: هل وصلت إلى وجهتك؟ إشارة إلى أن التقدم والتطور في هذا المجال بلا حدود، وقد لا يصل إلى وجهة واحدة أو حتى وجهات متعددة، بل ربما لا يصل إلى أي وجهة على الإطلاق.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights