الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

حين يُفرض التخصص… وتُختبر إنسانية المهنة

د. إنعام المقيمية ـ أستاذ مساعد إرشاد نفسي

في كل عام جامعي، يدخل عدد كبير من الطلبة تخصصاتهم وهم لا يحملون يقينا حقيقيا بأنهم في المكان الصحيح. لم يختاروها بدافع الشغف، ولا لأنهم وجدوا أنفسهم فيها، بل لأن المعدل قادهم إليها، أو لأن الخيارات كانت محدودة، أو لأن الطريق بدا “آمنا” من حيث الفرص الوظيفية.
هذا الواقع قد يبدو مقبولا في بعض التخصصات التقنية أو النظرية، لكنه يصبح إشكاليا وخطرا حين يتعلق الأمر بتخصصات إنسانية حساسة، كالإرشاد النفسي، والتعليم، والخدمة الاجتماعية؛ تخصصات جوهرها الإنسان، وأداتها العلاقة، ورسالتها الفهم والاحتواء.
حين أسأل طلبتي:
كم منكم اختار تخصص الإرشاد النفسي عن رغبة حقيقية؟
ترتفع أيد قليلة — ثلاثة أو أربعة من بين عشرات الطلبة — بينما يكتفي البقية بالصمت.
ذلك الصمت لا يعني فقط غياب الرغبة، بل يكشف فراغا في الهدف، وربما عدم وعي بحساسية الدور الذي يستعد الطالب لممارسته مستقبلا.
فمن يعمل في الإرشاد النفسي أو التعليم لا يكفيه التفوق الأكاديمي وحده.
هذه المهن تحتاج إلى ذكاء انفعالي يضبط ردود الفعل، وذكاء عاطفي يقرأ مشاعر الآخرين، وقدرة حقيقية على التعاطف والتعامل مع الإنسان بوصفه كائنا حيا يشعر ويتألم، لا حالة تدار أو ملف يغلق.
وحين يغيب هذا البعد الإنساني، تتحول المهنة إلى أداء آلي، وتفقد رسالتها، ويصبح الخطر مضاعفا: على الطالب الذي يمارس المهنة دون قناعة، وعلى الإنسان الذي يتلقى الخدمة دون احتواء حقيقي.
من هنا، لا تقع المسؤولية على الطالب وحده، بل تتوزع بين الأسرة، والمؤسسة الأكاديمية، وصناع القرار.
فالاعتماد الحصري على المعدل الأكاديمي في توجيه الطلبة، دون النظر إلى ميولهم واستعداداتهم النفسية والإنسانية، قد يحمي الأرقام، لكنه لا يحمي المهنة ولا الإنسان.
إن ما تحتاجه الجامعات اليوم هو قدر أكبر من المرونة الأكاديمية:
مرونة تسمح بإعادة توجيه الطالب، أو تعديل مساره، أو فتح مساحات حوار حقيقية حول ملاءمة التخصص لشخصيته، خاصة في المهن التي تتعامل مباشرة مع الإنسان.
وفي ختام هذا المشهد، يبرز سؤال واحد، صادق، وملح، موجه للجميع:
هل نختار لأبنائنا وطلابنا التخصص الذي يسمح به المعدل فقط، أم التخصص الذي ينسجم مع ميولهم واستعدادهم الإنساني قبل أن يصبحوا مسؤولين عن الإنسان؟
لأن التخصصات الإنسانية لا تمارس بالشهادات وحدها،
بل تمارس بإنسان يشعر… قبل أن يرشد أو يعلم.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights