الخميس: 12 مارس 2026م - العدد رقم 2852
مقالات صحفية

فرحتنا بالوطن… وعيٌ يحمي المعنى ولا يُشوِّه الصورة

علي بن مبارك اليعربي

في اليوم الوطني، تتجدد مشاعر الفخر والانتماء، وتتوشّح المدن بألوان الفرح، وتُستعاد في الذاكرة حكايات البناء والتأسيس. إنّه يوم تُترجم فيه الهوية إلى مواقف، ويُختبر فيه الوعي الجمعي بقدرته على التعبير الراقي والمسؤول. غير أن هذا التعبير، حين يخرج عن حدوده الطبيعية، ويتحوّل إلى سلوكيات تتنافى مع القيم الدينية والعادات والتقاليد والموروث الشعبي، يفقد معناه السامي، ويشوّه الصورة التي نحرص على أن تظل مشرقة ونقيّة.

وأن حبُّ الأوطان لا يُقاس بضجيج الشوارع، ولا بعدد الأعلام المرفوعة في الهواء، بل بما تستقرّ عليه النفوس من وعي، وما تنعكس به السلوكيات من احترام، وما تُترجمه الأفعال من انضباط ومسؤولية. فاليوم الوطني ليس ساحةً للتفلّت، ولا مناسبةً لتبرير كل ما يخرج عن حدود القيم الدينية والعادات والتقاليد والموروث الشعبي، بل هو اختبارٌ حقيقي لنضج الوعي الجمعي وقدرته على التعبير الحضاري.

من منظورٍ نفسيٍّ تربوي، فإن القدرة على ضبط الانفعالات، واحترام النظام العام، والمحافظة على الذوق العام، تمثّل مؤشرات واضحة على النضج النفسي وعمق الانتماء. السلوك الواعي ليس نتاج رقابة خارجية فحسب، بل هو ثمرة تربية راسخة وضميرٍ حي يدرك أن الحرية مسؤولية، وأن الفرح الحقيقي لا يكون على حساب قيم المجتمع ولا على حساب أمنه واستقراره، فإن الإنسان كلما ترسّخت فيه قيم الانتماء الحق، انعكس ذلك في اتزانه، واحترامه لذاته ولمجتمعه، وحفاظه على النظام العام، وإدراكه أن الحرية لا تعني الفوضى، وأن الفرح لا يعني التعدّي، وأن الاحتفاء لا يكون بتشويه الصورة بل بصونها وتعزيز جمالها.

كما أن الإفراط في المظاهر الصاخبة، أو السلوكيات المستهترة، لا تعبّر عن حبٍّ صادق للوطن، بقدر ما تكشف عن فراغٍ معرفي وسوء فهم لمعنى الانتماء. فالوطن لا يحتاج إلى ضجيج يعلن الحب، بل إلى سلوكٍ حضاريٍّ يجسّده، وإلى وعيٍ يعكس صورته المشرقة أمام الأجيال القادمة.

وإن تحويل مظاهر الفرح إلى تجاوزات في السلوك، أو عبثٍ بالممتلكات، أو إخلالٍ بالنظام والذوق العام، لا يعبّر عن انتماء صادق، بل يكشف خللًا في الفهم وتشوهًا في مفهوم الوطنية. فالوطن الذي أعطى لا يستحق أن يُقابل بالإساءة، ولا أن يُختزل في مظاهر صاخبة تخلو من المعنى والمسؤولية.

إن اليوم الوطني ليس مجرد مناسبة عابرة، بل هو محطة تربوية مهمّة، تُعلّم النشء معنى الولاء، وترسّخ فيهم قيم الاعتزاز بالهوية، واحترام النظام، والمحافظة على الممتلكات العامة. ومن واجب المؤسسات التربوية والإعلامية والاجتماعية أن تتكاتف في توجيه الأفراد – وخاصة فئة الشباب – نحو مفهوم أعمق للاحتفاء، مفهوم يقوم على الوعي لا الفوضى، وعلى البناء لا الهدم، وعلى التقدير لا الإساءة.

إن الأمم الراقية لا تحتفل بإحداث الفوضى، بل تحتفل بإحياء المعنى؛ تعلن فرحتها بالبناء، وتُظهر حبها بالالتزام، وتعبّر عن انتمائها بسلوكٍ واعٍ يرفع من شأنها بين الأمم. والوطن، في مقامه العظيم، لا ينتظر من أبنائه صخبًا أجوف، بل ينتظر وعيًا يُشبه تاريخه، وانضباطًا يُشبه هيبته، وأخلاقًا تليق بمكانته.

فحبّ الوطن لا يُقاس بما نرفعه من شعارات، بل بما نترجمه من سلوك، وما نغرسه من قيم، وما نتركه من أثرٍ طيب في مسيرته. وكلما كان احتفالنا أكثر وعيًا، كان انتماؤنا أصدق، وكانت صورتنا أبهى، ووطننا أولى بالفخر والاعتزاز

فلتكن فرحتنا باليوم الوطني رسالة وعي، لا مظاهر انفلات. ولنجعل من احتفالنا مرآةً تعكس نُبلنا، لا ممارسات تُشوّه قيمنا. فالوطن يعلو بنا حين نرتقي بأخلاقنا، ويزداد جمالًا حين نحمله في سلوكنا قبل ألسنتنا.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights