ترنيمةُ الاستسقاء
د. حميد أبو شفيق الكناني
كاتبٌ إيراني
وتمضي الليالي والأيام، وعيونُنا تراقب السماء، تلهج كثيرًا بالدعاء، تستمطر الغمام في موسم الجفاف والجفاء.
ربَّنا أنزِلْ علينا من السماء سحابةً ماطرةً تُحيي ما قد مات، وتردُّ ما قد فات، وتُخرجُ ما هو آتٍ، وتُسعدُ الأحياءَ من كل الكائنات، في كل الساعات والأوقات.
ربَّنا، ليس الأمرُ جليلًا، وليس الأملُ طويلًا؛ بُسطاءُ تُسعدُنا غيمة، وأبرياءُ تَكفينا خيمة.
والغاية: أن نرى الودقَ يخرج من خلاله، والنهاية: فإن لم يُصبها وابلٌ فطلّ.
فكُن، وهو الذي يُنزّل الغيثَ من بعد ما قنطوا!
“ندعوك حين قنط الأنام، ومُنع الغمام، وهلك السوام.”
ربَّنا، ليس الأمرُ كبيرًا، وليس الأملُ خطيرًا، وفاقدُ الشيءِ يتحدثُ عنه كثيرًا.
قال جنديٌّ وهو يصف حبيبته للجنود: كأنها السلام.
ونحن ندعو ونقول كما قال السابقون الكرام:
اللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ مُحْيِيَةً مُرْوِيَةً تَامَّةً عَامَّةً طَيِّبَةً مُبَارَكَةً هَنِيئَةً مَرِيعَةً زَاكِيًا نَبْتُهَا، ثَامِرًا فَرْعُهَا، نَاضِرًا وَرَقُهَا، تُنْعِشُ بِهَا الضَّعِيفَ مِنْ عِبَادِكَ، وَتُحْيِي بِهَا الْمَيِّتَ مِنْ بِلَادِكَ.
اللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ تُعْشِبُ بِهَا نِجَادَنَا، وَتَجْرِي بِهَا وِهَادَنَا، وَيُخْصِبُ بِهَا جَنَابُنَا، وَتُقْبِلُ بِهَا ثِمَارُنَا، وَتَعِيشُ بِهَا مَوَاشِينَا، وَتَنْدَى بِهَا أَقَاصِينَا، وَتَسْتَعِينُ بِهَا ضَوَاحِينَا.
وكما قال اللاحقون الأعلام:
اللَّهُمَّ اسْقِنَا سَقْيًا تُسِيلُ مِنْهُ الظِّرَابَ، وَتَمْلَأُ مِنْهُ الْجِبَابَ، وَتُفَجِّرُ بِهِ الْأَنْهَارَ، وَتُنْبِتُ بِهِ الْأَشْجَارَ، وَتُرْخِصُ بِهِ الْأَسْعَارَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ، وَتَنْعَشُ بِهِ الْبَهَائِمَ وَالْخَلْقَ، وَتُكْمِلُ لَنَا بِهِ طَيِّبَاتِ الرِّزْقِ، وَتُنْبِتُ لَنَا بِهِ الزَّرْعَ، وَتُدِرُّ بِهِ الضَّرْعَ، وَتَزِيدُنَا بِهِ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِنَا.
ونحن لا نملك إلا الدعاء، حلقةَ الوصلِ بين الأرض والسماء، ولا يَقنَطُ من لهِجَ لسانُه بالاستغفار آناءَ الليل وأطرافَ النهار، أو بالغدوِّ والعشيِّ والأسحار.
هكذا علَّمنا الأوائلُ الكبار:
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الِاسْتِغْفَارَ سَبَبًا لِدُرُورِ الرِّزْقِ وَرَحْمَةِ الْخَلْقِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ:
اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ، وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ، وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا.



