نقطة أول السطر .. حين تنبتُ الحياةُ من جذعٍ ميت

عادل بن حميد الجامعي
الحمد لله الذي يزرع في كلِّ نفسٍ بذرةً من ضوء، ثم يبتليها بالظلام لتعرف كيف تُضيء..
والصلاةُ والسلامُ على من جعل العملَ عبادة، والموهبةَ رسالة، والطينَ الذي يُلامسُ اليدَ طريقًا إلى الله.
أيها الأحبة..
ليست المواهبُ زينةً تُعلّق على جدار السيرة، ولا وردةً تُقطف ساعةَ الرضا ثم تذبل.. إنها نداءٌ خفيٌّ في أعماق الروح، إن لبّيتهُ نهضت، وإن تجاهلتهُ خمدت. الموهبةُ مثلُ شرارةٍ في رمادِ القلب، إن وجدتَ نسمةَ العزمِ اشتعلت، وإن لفّها الكسلُ خبتْ، وبقي صاحبها يُحدّث نفسه بأن الزمنَ لم ينصفه، وما علم أن الذي خذله كان تأجيلهُ هو لا قدرُ الله.. في كلّ إنسانٍ موهبةٌ تنتظرُ إذنَ الانطلاق، غير أن كثيرًا من الناسِ يُؤجّلونها إلى الغد، والغدُ لا يأتي لمن لا يمشي إليه.. الذي يركنُ إلى الأمانِ الكاذب، كمن يجلسُ عند شجرةٍ ظليلةٍ لا تُثمر، يظنّها مأوى وهي سجن، ويحسب ظلّها راحةً وهي غفلة.
أما الذين نهضوا -أولئك الذين يُسمّيهم الله في كتابه الذين جاهدوا فينا- فهم الذين يصنعونَ النور من الرماد، ويرونَ في الانكسار مادةَ بناءٍ جديدة.
عرفت أحدهم: شابٍّ كان يمرّ كلَّ صباحٍ بين جذوعِ الأشجارِ الميتة في وادٍ منسيٍّ من وِهادِ الوطن.. كان الناسُ يرونَ فيها حطبًا يابسًا أو عائقًا في الطريق، لكنه كان يرى فيها شيئًا من نفسه: ميتًا يُمكن أن يُبعث.. جمعَ تلك الجذوعَ التي أهملها الجميع، وغسلها بيديه كما تُغسَلُ الذنوب، ونحتَها بإزميلٍ صغيرٍ حتى صارت تُخبره عن شكلها القادم.. أخذ من خشونةِ الموتِ ملمسَ الجمال، ومن عروقِ العطبِ ممرًّا للنور، حتى غدت القطعةُ الواحدةُ تحكي سيرةَ قيامتها: كرسيٌّ من جذعٍ بالٍ، أصبحَ عرشًا يضيءُ في مجلسِ أحدِ الملوك.. طاولةٌ نُحِتت من حطبٍ محروق، صارت زينةَ قصورِ النبلاء والمشايخ.. ذلك الشابُّ لم يكن يصنعُ أثاثًا فحسب، بل كان يُنبتُ الحياةَ في الموات.. كان يعملُ وفي عينيه يقينُ من أدركَ أن الله لا يُحيي الأرضَ بعد موتها فقط، بل يُحيي الموهبةَ أيضًا بعد إهمالها.. كان يؤمنُ أن كلَّ جذعٍ ميتٍ يمكن أن يعودَ حيًّا، وأن كلَّ إنسانٍ يمكن أن يُثمرَ من جديدٍ إذا صدقَ مع نفسه.
وهكذا تكونُ الموهبة: رسالةٌ من الله إلى العبد، ليُعيدَ بها ترتيب فوضاه الداخلية.. هي عبادةُ العاملين، وزكاةُ الصابرين، وصلاةُ الذين لا يحبون الركونَ إلى فراغٍ دافئٍ يقتلُ فيهم المعنى.. الذين استثمروا مواهبهم، لم يكونوا أكثرَ حظًّا، بل أكثرَ صدقًا.. اكتشفوا أن اليدَ التي تنحتُ في الصخرِ لا تحتاجُ إلى تصفيق، بل إلى إيمانٍ بأن الجدارَ سيفتحُ إذا أُصيبَ في موضعِه الصحيح.
أيها الأحبة..
لا تركنوا إلى الراحة؛ فإنها تُغري القلبَ بالنوم الطويل.. ولا تستهينوا بموهبةٍ مهما صغُرت، فكم من جذعٍ ميتٍ صار عرشًا في قصر، وكم من فكرةٍ صغيرةٍ صارت نهضةً للأمم.. ابحثوا عن تلك الشرارةِ في داخلكم، عن النداءِ الذي يُوقظكم إذا خيّمَ اليأس، عن شيءٍ تقولون له كلَّ صباح: كن، فيكون إن شاء الله..
أحبتي في الله.. إن ربنا اللطيف الخبير لا يطلبُ منا أن نكون عظماء، بل أن نكون صادقين فيما نملك.
وكلُّ من صدقَ في موهبته، ولو كانت إصلاحَ قلبٍ مكسور، فقد أحيا قطعةً من هذه الأرض الميتة.



