حكاية نادية .. (الجزء 16 و 17 و 18)

فايل المطاعني
المشهد السادس عشر: القناع الأخير
(المكان: مركز الشرطة – غرفة التحقيق)
الساعة تقترب من العاشرة صباحًا.
جلس فؤاد على الكرسي، في مواجهة ضابط التحقيق “رائد”، الذي بدا هادئًا… لكن ملامحه مشدودة كما لو أنه ينتظر لحظة الاشتعال.
أمام فؤاد كوب ماء، وساعة يد فاخرة على معصمه… يحاول أن يبدو واثقًا، لكنه كان يُصلّب أصابعه في توترٍ خفي.
الضابط رائد يضع على الطاولة ظرفًا أبيض، ويفتحه ببطء.
– تعرف هذا الخط يا أستاذ فؤاد؟
فؤاد يرمق الورقة، ثم يرفع حاجبيه:
– لا… إيش هذا؟
رائد (بثبات):
رسالة من “نادية” – أو بالأصح – “نجاة”. كتبتها الليلة.
تقول فيها إنها مش زوجتك… وإنك كنت السبب في طمس هويتها.
فؤاد (ضاحكًا بتوتر):
رسالة من مريضة نفسية! هذا كلام ينفع دليل؟!
الضابط يقلب الورقة، ويقول ببطء:
– ما ينفع… لوحده.
لكن لما يجينا تقرير من المستشفى النفسي يقول إنها “غير مجنونة”، وعندها وعي كامل بالواقع…
ولما يظهر أن توقيعها مطابق لتوقيعها في بطاقة الأحوال باسم “نجاة بنت صالح”، مش “نادية”.
يصمت الضابط، ثم يحدق به:
– ساعتها… الرسالة تصير صرخة حق مدفونة، وإنت… تصير المتهم الأول.
فؤاد يتلعثم:
– لا… لحظة… هذا كلام فارغ! هي زوجتي! نادية!
الضابط يقاطعه بنبرة حادة:
– لا يا أستاذ. زوجتك الحقيقية… توفيت.
واللي كانت في المستشفى هي أختها التوأم.
لكن السؤال الحقيقي: كيف ماتت نادية؟
هنا يتغير وجه فؤاد، يبتلع ريقه، ويداه ترتجفان قليلاً.
رائد يفتح ملفاً ثانياً ويقول:
– عندنا بلاغ قديم… عن اختفاء “نادية” بعد زيارة بيتكم.
ما في تقرير دفن… ولا شهادة وفاة…
بس في كاميرا قديمة في فيلتكم الخلفية… أظهرت شيء ما شفناه من قبل.
يرمي الضابط صورة مطبوعة على الطاولة: يظهر فيها فؤاد يخرج ليلاً ومعه شيء ثقيل ملفوف ببطانية.
فؤاد بصوت مكسور:
– أنتم ما تفهمون… هي كانت تهددني… كانت تعرف أشياء… كانت راح تدمّر كل شيء…
رائد يبتسم، لأول مرة، ويقول بهدوء قاتل:
– أخيرًا… تكلمت.
يتبع…
المشهد السابع عشر: الترميم
(المكان: شرفة المستشفى – وقت الغروب)
كانت نجاة تقف وحدها، تنظر إلى الأفق حيث تلتقي الشمس بالمدينة.
هواء المساء يحرّك شعرها، وعيناها ساكنتان، لكن خلف السكون عاصفة عمر بأكمله.
تخرج الدكتورة بدرية بهدوء، تحمل معها بطانيتين وكوبين من الشاي.
تضع أحدهما بجوار نجاة، وتجلس بصمت، كأنها تعرف أن هذا ليس وقت الأسئلة.
نجاة بصوت منخفض:
– تعرفين شعور الوحدة يا دكتورة؟
مش لما الناس تتركك… لا… لما أنت تترك نفسك.
بدرية ترد بعد لحظة صمت:
– الوحدة الحقيقية لما نعيش بشخصية مش لنا.
– بالضبط.
قالتها نجاة وكأنها أخيرًا وجدت من يترجم ألمها.
ثم التفتت إليها، بابتسامة صغيرة:
– طوال الوقت كنت أظن إني ضعيفة…
لكن اللي يتحمّل كل هذا ويظل واقف، ما يكون ضعيف، صح؟
بدرية تبتسم:
– لا يكون إلا “ناجي”… مثلك، يا نجاة.
نجاة تنظر إلى السماء، وتقول:
– أريد أزور قبر نادية… مو لأبكي… لأشكرها.
لأن موتها، رغم ألمه، رجّع لي نفسي.
بدرية تهز رأسها بإعجاب:
– ومن اليوم… رح تعيشي باسمك… بصوتك… بحكايتك، مش حكاية غيرك.
نجاة تضحك بخفة، للمرة الأولى:
– حتى لو كان صوتي مبحوح، حكاياتي متكسّرة… بس على الأقل… حقيقية.
تدخل الممرضة وتهمس لبدرية بشيء، فتلتفت إلى نجاة:
– المحكمة قررت فتح الجلسة العلنية بكرة… وفؤاد… أحمد… الكل مطلوب.
نجاة تنهض، تنظر إلى المدينة، ثم تقول:
– بكرة… ما راح أواجههم كضحية.
راح أواجههم… كشاهدة على الحقيقة.
ثم تمضي… والشمس تغيب خلفها، لتُولد نجاة جديدة.
يتبع…
المشهد الثامن عشر: المحكمة
(المكان: قاعة المحكمة – صباح اليوم التالي)
المكان مزدحم، الصحفيون ينتظرون خارج القاعة، الكاميرات تصطف كأنها شهود صامتون على ما سيُقال.
يجلس القاضي على المنصة، بصرامةٍ لا تهتز.
يجلس فؤاد خلف القضبان، مرتدياً بدلة رمادية، محاطًا برجال الأمن.
وأمامه على المنصة، تقف نجاة… ثابتة كجبل. لا يرتجف صوتها، ولا يهرب نظرها.
القاضي يرفع رأسه ويقول:
– السيدة نجاة بنت صالح، هل أنتِ مستعدة للإدلاء بشهادتك؟
تأخذ نفسًا عميقًا وتقول:
– نعم، سيدي القاضي.
يتقدّم المحامي العام:
– أرجو منك أن تذكري للقاضي والمحكمة… من أنتِ؟ وبكلماتك… ما الذي حدث؟
نجاة تنظر إلى القاعة، ترى أحمد يجلس في الخلف، متوتراً، تتفادى نظراته.
ثم تنظر للقاضي وتقول:
– أنا لست نادية، كما ادعى “فؤاد”.
أنا نجاة بنت صالح… الأخت التوأم لنادية التي توفيت قبل عامين… مقتولة.
همهمة تنتشر في القاعة… القاضي يضرب بمطرقته:
– النظام!
تُكمل نجاة:
– بعد وفاة أختي، أُجبرت… تحت التهديد… على أن أعيش مكانها.
فؤاد… جعلني سجينة داخل بيتنا، ثم سجينة داخل مستشفى نفسي.
قالوا لي: “نسيتي نفسك”،
لكن الحقيقة: كنت أتذكر جيدًا… فقط لم يكن يُسمح لي أن أتكلم.
القاضي بجدية:
– هل لديكِ دليل على أن أختك قُتلت؟
تفتح نجاة حقيبتها، وتُخرج نسخة من الرسالة التي كتبتها سابقًا، وتسلمها للمحكمة.
ثم تقول:
– ليس هذا فقط. الكاميرات، والتسجيلات، وتقارير الطب الشرعي… كلها تثبت أن “نادية” لم تختفِ، بل دُفنت خفية.
المدعي العام يتقدّم بالأدلة المرفقة.
القاضي يتفحصها، ثم ينظر إلى فؤاد، الذي بدأ يتصبب عرقًا، يتلوّى كمن تحترق الأرض تحت قدميه.
القاضي بصرامة:
– السيد فؤاد… هل لديك ما تقوله قبل أن نتابع الحكم؟
فؤاد بصوت مكسور:
– ما كنت أقصد أذيتها… أنا بس… خفت على سمعتي… على مستقبلي…
القاضي يقاطعه:
– والآن… تخاف على حريتك.
يضرب بالمطرقة:
– الجلسة تُرفع للاستراحة… والحكم يُنطق بعد الظهر.
نجاة تجلس… تتنفس للمرة الأولى كما لو أنها عادت للحياة.
يأتيها المحامي، يربت على كتفها، ويهمس:
– لقد كنتِ أكثر من شاهدة… كنتِ صوت الحقيقة.
يتبع…


