غزة … كرامة لا تُقهر
إسماعيل بن مسعود بن غفيل الراشدي
(الإنسان حين يختار الصمود بدلًا من رفاهية الحياة)
يَحزُّ في القلب أن يُعلَن عن توقّف نواقيس الحرب، ولم نرَ أبا عبيدة يتصدّر منبر الحقّ ليصدح بالخبر اليقين: “غزة الصمود انتصرت”.
فصوتُ أبي عبيدة — سواء أطلّ من منصّة النصر أو من جنان الخُلد — سيبقى النشيد الذي يُفتتح به عهدُ الكرامة القادم.
كنا لنَسعد لو شهدنا صورته في لحظة النصر المُؤَزَّر التي زلزلت الكيان الآثم، ولنَغبطه إن كانت تلك الشهادة التي طالما نادى بها على كلّ منبر؛ ففي الحالتين يبقى صوته هو صوتُ الفكرة التي لا تموت.
“أزهري يا غزة” ليست شعارًا عابرًا ولا أمنيةً عاطفية، بل حقيقةٌ تتكوّن من رحم المعاناة والتضحية؛ فكما أنّ المقاومة مناعةُ الجسد ضدّ المرض والاستسلام، هي أيضًا مناعةُ الوطن ضدّ الذلّ والانكسار.
في غزة تحوّلت المقاومة من فكرةٍ تولد في الوعي إلى مشروعٍ يُزرع في الأرض، ثمّ إلى واقعٍ خالدٍ في ذاكرةِ التاريخ.
تنفّسها عمر المختار في صحراء ليبيا، وآمن بها جيفارا في أحراش بوليفيا، ورآها مانديلا في زنزانته أملًا لا يموت، ثم تجذّرت في غزة لتصير الحرية حقيقةً تُعاش لا شعارًا يُرفع.
لقد باع أهلُ غزة أرواحهم الطاهرة لله، ليصوغوا لأنفسهم ولأبنائهم طعمَ الحرية وشرفَ النضال؛ فالتاريخ يشهد أنّ الأوطان لا تقوم بالحبر ولا بالخُطب، بل بدماء الشهداء التي تُخضّب الأرض وتُخصِّبها؛ لتنبت غزة الحاضرة في الضمير الإنساني.
فصمودها — بكلّ تفاصيله المدنية والعسكرية والدبلوماسية — سيُدرَّس يومًا في مدارس الحرب والعقيدة، ليشهد العالم أنّ الحقّ لا يُستردّ إلّا بالقوة إن سُلب بالقوة.
وها هي غزة اليوم، بعد كلّ ذلك التاريخ المُشرّف، تواصل تقديم نموذجٍ جديدٍ من العطاء والتحدّي؛ ففي خضمّ الأزمة الإنسانية الكارثية، وبعد عامين من الدمار الذي طال كلّ شيءٍ تقريبًا عدا الإرادة، تجلّت تلك المفارقة الكبرى بين شعبٍ يحتفل بصموده وعدوٍّ ينوح على فشله.
فقد راهن الكيان على كسر الإرادة وتهشيم الكرامة، لكنه اصطدم بمقاومةٍ متجذّرةٍ وإيمانٍ مطلقٍ تجلّى في الطفل قبل الكهل، وفي النساء قبل الرجال؛ فمن تنفّس الحرية لن يرضَ بالذلّ.
إنّ المقاومة في غزة ليست ردّ فعلٍ عسكريًا عابرًا، بل مشروعٌ سياسيٌّ استراتيجيٌّ ووجوديٌّ يستمدّ روحه من الرؤية التاريخية للقائد الشهيد يحيى السنوار لما بعد الحرب، قائمَتَين على ركيزتين واضحتين:
إرغام الاحتلال على احترام القانون الدولي،
وعزل “إسرائيل” عن اندماجها بالعالم عزلاً عنيفًا وشديدًا.
وقد نجحت المقاومة فعليًا في تحقيق هذين الهدفين معًا؛ فرأينا انصياعها أخيرًا لمبادرةٍ دوليةٍ رغم رغبتها في مواصلة الإبادة، ورأينا تأثيرَهُما أيضًا في مواقف الشعوب، وتحوّل المزاج الدولي، وفي زعزعة صورة الاحتلال التي طالما ادّعى بها “الهيمنة الأخلاقية”.
النصر، إذن، ليس بعدد الشهداء ولا بتهديم المدن، بل بقوة بقاء المبدأ واستمرار الصمود.
فالتاريخ لا يكتبه الجنود المدجَّجون بالسلاح، بل يخلّده من يصمد على الحقّ رغم الجراح.
وصفحات التاريخ لا تُسطّرُ بالحبر وحده، بل تُكتب بعرقِ الصابرين ودماءِ المقاومين.
وهكذا تبقى المقاومة — في كلّ زمانٍ ومكانٍ — القلمَ الذي يصوغ الذاكرة، والصفحةَ البيضاء التي تُسَطَّر عليها ملاحمُ التضحية والنضال في سبيل الكرامة والحرية.
إلى كلّ صوتٍ ارتقى بالكلمة قبل الرصاصة،
إلى كلّ إعلاميٍّ أفنى روحه لنقل الحقيقة من قلب الدمار، ومصوّرٍ وثّق المجزرة بعدسته قبل أن يودّعها، وطبيبٍ أنقذ جريحًا وهو ينزف، وإطفائيٍّ اقتحم اللهب لإنقاذ طفلٍ لا يعرفه، ومعلّمٍ علّم أبناء المخيّم وسط الركام، ومهندسٍ أعاد الكهرباء إلى بيتٍ فقد الأمل، إلى كلّ روحٍ صعدت إلى السماء، وكلّ دعاءٍ اخترق السبع سماوات،
إلى كلّ أمٍّ ثكلى ودّعت فلذةَ كبدها، وكلّ أبٍ غادر النور طلبًا للقمة العيش، وكلّ زوجةٍ ما زالت متعلّقةً بطيف زوجها الشهيد،
وكلّ طفلٍ وُلِدَ رجلًا يحمل السلاح، إلى كلّ نفسٍ لم تيأس من روحِ الله ووعده الحقّ، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [يوسف: 87].
إلى كلّ هؤلاء الذين بعزمهم أصبحوا صُنّاعَ الذاكرة وجُنودَ معركة الوعي؛ فالكاميرا في غزة صارت بندقيةَ الواقع، والقلمُ صار صوتَ الضمير، والمشرطُ الطبيُّ رمزَ الحياة في وجه الموت.
فالمقاومة بثبات المبدأ وعمق الإرادة لا تقلُّ شرفًا عن مقاومة الميدان؛ فقد يسقط الجسد فتترسّخ الفكرة.
إلى كلّ شبرٍ من غزة، أنبتَ جيلًا لا يُساوِم ولا يُصالِح، في زمن التكنولوجيا العمياء والتمدّن الزائف والشعارات الكاذبة والأمم التي تكيل الحقَّ بمكيالين…
نعلنها ويقينًا:
أبشري يا غزة، فغدًا تُزهِرين من جديد


