الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
مقالات صحفية

كن مع الله يكن كل شيء معك

عواطف السعدية

من أشد ما يُبتلى به الإنسان في رحلته الوجودية أن يولد بعقل ناضج يزن الأمور بميزان الحكمة، يرى ما وراء الكلمات، ويفهم خفايا السلوك، ويقرأ الصمت كما يقرأ الضجيج، ويحمل في الوقت ذاته قلبًا عاطفيًا لا يعرف الحيل، ينبض بالصدق، ويحنّ إلى كل نبض إنساني، ويتألم لأبسط انكسار. فتجتمع في داخله بصيرة الفيلسوف وشفافية الطفل، يعيش التناقض بين منطق لا يرحم ومشاعر لا تتوقف عن العطاء. يدرك جيدًا من يدّعي الحب ومن يكذب عليه ومن لا يستحقه، لكنه لا يستطيع أن يقسو، ولا يملك إغلاق بابه في وجه أحد.

لا يوجد إنسان على الأرض لم يشعر يومًا بشعور عدم تقبل الآخرين له. ففي مرحلة ما من حياتك، قد يشعرك الآخرون بأنك لست جيدًا بما فيه الكفاية. عندها، عليك العودة إلى ذاتك، وإدراك أنك شخص جيد يستحق التقدير. الأخطاء تؤلم بشدة عند وقوعها، لكن بعد سنوات، تتحول هذه المجموعة من الأخطاء إلى ما يُسمى بالخبرة. اعلم أنك إذا أردت حقًا فعل شيء، ستجد له طريقًا، أما إذا لم ترغب في فعله، فستجد له عذرًا. قد تحزن إذا لم يُقدّر أحد اهتمامك وطيبتك، فطباع البشر لا تدرك النعم إلا بعد زوالها.

نجلس أحيانًا مع أنفسنا ونتساءل: كيف مرت الأيام بهذه السرعة؟ كيف تغيرت ملامحنا ونظرتنا للحياة دون أن نشعر؟ لم تعد الأشياء التي أحببناها تعني لنا الكثير، لم نعد نهتم بما نرتدي أو إلى أين نذهب، صار الأهم أن نشعر بالراحة ولو قليلًا. كل اللحظات التي كسرتنا وصمدنا فيها، وكل الأوجاع التي أخفيناها خلف ابتساماتنا، جعلتنا أكثر وعيًا ونضجًا. نحن لا نكبر بالعمر، يا سادة، العمر مجرد أرقام، نحن نكبر بما نخسره في دواخلنا.

إن وجدت نفسك ذات يوم أمام خيارين: أحدهما يبهرك جدًا والآخر يريحك جدًا، فتنازل عما يبهرك واختر ما يريحك. فما يبهرنا عادةً يكون لحظيًا، ثم يختفي الانبهار، وقد يكون مرهقًا لاحقًا. أما ما يريحك فهو ما يضمن لك الاستقرار الحقيقي، ومع الوقت ستجد أن جماله يزداد، تمامًا كإطلالة من على سفح الجبال مبهرة جدًا.

في عمق كل كرب، يبعث الله لك خيطًا رفيعًا من الفرحة، كأنه فرج مؤقت، وكأن الله يمنحك القوة لمواصلة أيامك، والشعور بأن الفرج قريب. في عمق حزنك، تجد أبوابًا قد فُتحت لك دون حول منك ولا قوة. دائمًا الله معك، يرضيك ويعوضك ويبقى معك حين لا يبقى أحد.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights