الخميس: 12 مارس 2026م - العدد رقم 2852
مقالات صحفية

لفافةٌ بيضاء تلتحف السماء 

ناصر بن خميس الربيعي

طيور لا تستسيغ العيش على أغصان الشجر، فلم تعد شجرة الزيتون تجذبها، ولا تحبّ التحليق في الفضاء، فقد ملأته المُسيّرات، بل ظلت قابعةً تحت الصخور وبين الركام، تزقزق بصوت خافت لا يُكاد يُسمع، قد أعياها الجوع وأنهكها التعب وقضّ مضجعها الخذلان، فلم تعد تعاتب المقصر.

  لا يعنيها الغد، فالغد بالنسبة لها كابوس، كل ما فيه تعب، طيور مُزِّقت أجنحتها وقُصّ ريشها، فكل ذنبها أنها فقست في أرض الأنبياء، فاستوحشها المغتصب، وصار يحرقها قبل أن تشبَّ عن الطوق ولا عجب، فقد كان فرعون لهم ذَنَب.

   إنها طيور السماء فما خُلِقت لتعيش مع العتب، السماء التي اشتاقت إلى طيرانها وإلى صفير أجنحتها، فكل ما فيها دخانُ القاذفات وكراتٌ من لهب، تحرق ما بقي من أعشاش خاوية، إنها غزةُ يا عرب، إنها غزةُ يا عرب.

    غزةُ أرضٌ أسقطتها خيانات العرب، وتكالبت عليها بناتٌ بلا حسب، فسقطت مضرجةً بالدماء، كقميص يوسف من كذب، فأخوتها هم السبب، يرون ولا يرون، يسمعون ولا يسمعون في سُباتٍ غافلون، صُمٌّ عن الأنين وعن زفرات شيخٍ حزين وعن صرخات طفل أفزعه الأزيز وحطم مهده علجٌ غليضٌ مُغْتصب.

    ربّما أعجبهم منظر الجثث، وهي تلتحف السماء وتغطى بأوراق المناديل بين يدي عاجز ما له ذنبٌ سوى خذلان فاز به من الصحب، ربّما يظنون أنهم بمفازة عمّا ألمّ بالصحب، كلا، فلتعلموا يا قوم أنكم اللاحقون، وهم السابقون، فهل من متدبرٍ؟ وهل من عاقل في دارٍ فانيةٍ يرفع الظلم عن أجساد ذاوية، لا يُرى منها إلا هلاهلُ خرقاتٍ باليةٍ، ولا يُسمع لها إلا أصواتٌ عاليةٌ، غارة ثانية غارة ثانية.

   لتبقى طيور غزة تحت الركام، وليبقى عالمٌ في ظلام، طالما قانون الغاب سارٍ بين الأنام، فنحن لم نعد حتى كالأنعام، فبعضها على بعضٍ يحن، وبعضها يدفع عن بعضها الظلم، لتبقى طيور غزة تحت الركام وبين الأيدي لفافاتٌ في بياض، تحلم بيوم الخلاص من الظُّلّام.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights