عندما أصبح “السفهاء” في صدور الشاشات

هلال بن عبدالله الفجري
في الزمن القديم كان أهلنا رحمهم الله يربّوننا على قاعدة ذهبية بسيطة
“لا تجالس السفهاء ولا تصاحب الجاهلين فإن المجلس يُعلِّم وإن الجليس يُؤثّر”
كانت تلك الوصية درعاً يحمي العقول من التلوث، ويصون الأخلاق من الانحدار فالسفيه كان معلوم المكان، محدود التأثير لا يتجاوز أذاه حدود مجلس ضيق أو مجموعة من الجالسين أما اليوم، فقد تغير المشهد تماماً اليوم لم نعد نختار مجالسنا كما كنا، لأن المجالس صارت هي التي تختارنا في زمن (التيك توك) و(الإنستغرام) صار السفهاء في مقدمة الشاشات، يطلون علينا كل صباح بوجوههم الصاخبة وألفاظهم الفارغة يقدمون التفاهة في ثوب الشهرة، والابتذال في قالب الضحك والترفيه
جيل يتعلم من الضجيج : ما كان يخشاه الآباء من عدوى الجهل في المجالس الصغيرة أصبح اليوم خطراً عاماً يصيب الملايين بضغطة زر
جيلٌ بأكمله يتلقى أفكاره من (مؤثرين) لا يحملون من التأثير سوى الاسم
يبيعون الوهم بضحكة وينشرون السطحية بمقطع لا يتجاوز الدقيقة
بات الطفل يحفظ عباراتهم قبل أن يحفظ جملة من كتابه المدرسي، والمراهق يقلّد حركاتهم قبل أن يقلد خُلق أبيه أو حياء أمه
حين تصفّق الجماهير للسفاهة: المؤلم أن هؤلاء السفهاء لم يكتفوا بالظهور بل وجدوا من يصفق لهم ويمنحهم شرعية الجماهير
كأننا نعيش زمناً تُكافأ فيه التفاهة بالمتابعة، ويهمش فيه العقل لأن حديثه
( لا يضحك ولا يواكب الترند)
ومع كل إعجاب ومشاركة، يكبر هذا الخطر حتى صار غولاً يهدد الذوق العام ويُربك قيم المجتمع ويشوه القدوات في أعين الأجيال القادمة
مسؤولية المجتمع والأسرة: لسنا عاجزين أمام هذا الواقع ما زال بوسعنا أن نعيد التوازن إذا أدركنا أن المحتوى لم يعد ترفيهاً بل تربية. الأسرة اليوم مطالبة بأن تراقب ما يشاهده الأبناء كما كانت تراقب مجالسهم قديماً، وأن تزرع فيهم ذوقاً يميز بين المفيد والهابط
أما المجتمع فعليه أن يواجه التفاهة بصناعة البديل محتوى راقٍ، فكاهي نظيف ومؤثرون يحملون رسالة لا ترنداً
من جالس السفهاء ولو عبر الشاشة أصابه من سفههم نصيب
إنها دعوة للوعي، للتمييز بين من يرفعنا بفكره، ومن يُسقطنا بابتسامته الزائفة.
فكما قال أحد الحكماء
(ما أكثر الضجيج وما أقل العقول)



