طوفان الأقصى… بداية النهاية
هلال بن حميد بن سيف المقبالي
يعيد لنا تاريخ اليوم مجد لن تنساه البشرية أجمع، مشهد قل أن تشاهد مثله إلا في غزة العزة، إنه مشهد السابع من أكتوبر، مشهد تتداخل فيه الذاكرة بالواقع، وتتشابك فيه الأسباب مع النتائج، لتُشكّل لوحة من أكثر الأحداث تأثيرًا في وجدان الأمة العربية والإسلامية، والعالم أجمع، ويجعل من القدس والمسجد الأقصى رمزيّة تتجاوز حدود المكان لتغدو عنوانًا للكرامة والوعي والذاكرة الجماعية للأمة.
تدخل عملية طوفان الأقصى عامها الثالث، مع صمود المقاومة ومقاومتها للمحتل، وصبر شعب غزة الأبي، وصخب حراك الشعوب المتضامنة مع القضية الفلسطينية ومستنكرة الإبادة في غزة.
عملية طوفان الأقصى ليست مجرّد تاريخ عابر في تقويم الأيام، بل كان زلزالًا قلب الموازين وأعاد تعريف الصراع في فلسطين والمنطقة برمّتها. إنه الحدث العسكري الذي زلزل أركان البيت الإسرائيلي، وحطم مقولة “الجيش الذي لا يقهر”. فقد أصبحت العملية الآن في ذروة المنعطف التاريخي الذي أعاد ترتيب الأوراق في المنطقة وأيقظ من أراد الاستيقاظ، وظهرت أصوات كبرى كانت ساكنة في الأعماق.
انطلق الطوفان في السابع من أكتوبر عام 2023 م، من رحم حصارٍ طويل وألم متراكم، وعزلة خانقة، وشعور عميق بالانسداد السياسي الذي عاشه أهل غزة الكرام، وتلاشت أمامهم كل الآمال في أي حلول عادلة تنصف قضيتهم، وتزيح عنهم عزلتهم، وتمنحهم الاستقرار والأمن الذي حرموا منه لأكثر من سبعين عامًا؛ فكان طوفان الأقصى بمثاية الصرخة المدوية في وجه العالم، بأن هناك شعبًا ما زال حيًّا، يطالب بحقه في الحياة والحرية، بعد عقود من الاحتلال والتهميش والخذلان.
لم تكن الأهداف المعلنة خافية؛ فقد أرادت المقاومة الفلسطينية كسر معادلة الردع المفروضة، وإعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي، بعد أن كادت أن تنسى، و مُختزلة فقط في مفاوضات متعثرة واتفاقيات هشة، أرادت المقاومة أن تقول إن الزمن لم يُنهِ القضية، وإن إرادة الشعوب أقوى من جدار الحصار؛ لتظهر نتائح هذه العملية عن انقسام في الرأي العام العالمي، بين من رأى أن العملية تعبيرًا مشروعًا وحقًا من حقوق شعبٍ محاصر، و يقاوم جبروت وهيمنة الإحتلال، ومنهم من رأى أنه تهديدًا لمعادلات القوة التقليدية.
خلال العامين الماضيين، تواصلت المأساة الإنسانية في غزة بشكل غير مسبوق، حيث ارتفعت أعداد الشهداء والمصابين وتدمير كامل للقطاع، وتفاقمت الأزمات المعيشية، والصحية، وسط عجز دولي واضح عن إيجاد حل ينهي المعاناة، والإبادة الواضحة للجميع، ولكن مع هذا المشهد انكشفت نوايا بعض الدول من القضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني، واهتزاز مواقفها لهذه المأساة الإنسانية؛ فهناك من يؤيد مسار المقاومة ونصرة لقضيتهم، وهناك الكثير من يتعاون ويؤيد ويشارك في هذه المأساة، وهنا أيضًا المتخاذل والمتواطيء معهم، ورغم كل ذلك أرى أن المقاومة انتصرت ميدانيًا ووجوديًا وسياسيًا، انتصارًا لم يتحقق في أي صراع عربي إسرائيلي؛ وذلك لعدة أسباب منها:
1. أعادت القضية الفلسطينية وأظهرتها للعالم.
2. وضعت إسرائيل في عزلة دولية.
3. كشفت هشاشة المنظومة الأمنية الإسرائيلية التي طالما قُدّمت للعالم على أنها جدار منيع
4. كشفت الخيانة والمؤامرة الدولية.
5. عرت مباديء وقرارات هيئات ومنظمات أممية وإنسانية.
لقد انتصرت المقاومة بصبرها وثباتها مع قلة عتادها و قوتها البشرية، والحصار الجائر الذي فرضتة دولة الإحتلال (إسرائيل)، وتواطأت معها دول عربية وإسلامية نسفت معنى العروبة والدين فأغلقت معابرها، ومنعت دخول المساعدات الإنسانية امتثالًا لأوامر قادة الكيان الصهيوني، و رغم كل ذلك نكلت المقاومة بجيش الاحتلال الذي يعد الرابع دوليا بقوته وعتادة وقواته الحوية ودباباته، وتسانده امريكا، ومعظم الدول الاوروبية، والمتخاذلين من العرب المتصهينين، وأوقعت به خسائر كبيرة يتكتم عنها الإعلام، ولكن ستظهر الحقيقة لاحقًا بحول الله.
حافظت المقاومة من خلال عملية طوفان الاقصى على ظهور القضية الفلسطينية وحضورها في الضمير العالمي، وأعادت تعريف مفاهيم مثل «الاحتلال» و«الحرية» في الخطاب السياسي والإعلامي الدولي، وخروج المظاهرات المناهضة للقضية الفلسطينة منددة بما يقوم به جيش الإحتلال ومن يسانده في إبادة الشعب الفلسطيني، وظهور قوافل الحرية والصمود، ورؤيتهم لعنجهية المحتل؛ زاد من تضامنها مع الشعب الفلسطيني وحريتة، كل ذلك ما هو إلا دليل واضح على إظهار القضية الفلسطينية للعالم، وهذا كان الهدف الأسمى للمقاومة من عملية طوفان الأقصى.
اليوم، ونحن نعيش الذكرى الثالثة، تقف عملية طوفان الأقصى علامة فارقة في تاريخ الصراع العربي–الإسرائيلي، وحدث سيُذكره التاريخ بما حمله من آلام وآمال، ومن رسائل مدوّية ومنعطفات مفصلية. فالقضية الفلسطينية لم تُغلق، والصوت لم يخفت، والوجع لم يتحوّل إلى نسيان.
ومهما اختلفت زوايا النظر إلى هذه الخطوة من المقاولة وتبنيها لعملية طوفان الأقصى فإنها كشفت بجلاء أن القضية الفلسطينية ما زالت حاضرة بكل زخمها، وأنها قادرة على إعادة تشكيل الوعي والاهتمام العالمي كلما حاول الآخرون طمسها.
لقد برهنت الأحداث أن إرادة الشعوب لا تُقهر، وأن جذوة الحرية لا تنطفئ مهما طال الحصار أو اشتد!، ومع دخول العام الثالث، وتبني ترمب فكرة” خارطة السلام” والتي وافقت حركة المقاومة الإسلامية حماس على بعض بنودها، هل سنرى بارقة أمل وخير في المرحلة القادمة، أم ستظل الوعود تُخلف، والعهود تُنقض؟ وهل ستكتب الأيام القادمة فصولًا جديدة من هذه الملحمة الفلسطينية المستمرة؟ أم سيكون طوفان الأقصى هو بداية النهاية لهذا الكيان المحتل وزواله، وبداية لنهاية حصار شعب له الحق في الحياة؟
يظلّ الحلم يقاوم، وتظلّ الحكاية مفتوحة على وعدٍ لا ينطفئ، وستبقى غزة امتحان للضمير الإنساني العالمي؟!!.



