الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

النحل والدُبُّور

ثاني بن مبارك الحبسي

قرر دُبُّور أن يستولي على إحدى خلايا النحل؛ فصار يُكثِّف من مراقبته للخلية وتحركات النحل، وأخذ يفكر ويخطط لإيجاد الطريقة المناسبة. وبعد أن اكتملت خطته قرر تنفيذ المهمة.

اقترب الدبور من الخلية، وما إن أوشك على الهجوم حتى ثار عليه حراس النحل بكل شراسة محاولين طرده وإبعاده. أدرك الدبور أنه قد وقع في ورطة؛ فلم يتوقع ردة فعل النحل بتلك القوة، ولم يجد سبيلاً من تلك المحنة سوى الفرار والنجاة بحياته.

طار الدبور بعيداً، لكن المشهد لم ينتهِ بعد؛ فما هي إلا مدة قصيرة حتى ظهر الدبور اللئيم مرةً أخرى، وحوله مجموعة من الدبابير. أعطى الدبور مهام الخطة لأفراد المجموعة، ثم أمرهم بالهجوم على الخلية، بينما بقي هو بعيداً يراقب التنفيذ. هاجمت مجموعة الدبابير الخلية بشكل مفاجئ وبكل قوة وشراسة، وأحدث هجومهم المباغت حالةً من الاضطراب بين أفراد الخلية، وسرعان ما بدأت مجموعة النحل بتوحيد وتنظيم صفوفها من جديد؛ لتبدأ في صد الهجوم.

دارت معركة شرسة بين الطرفين، ووصل القتال ذروته. واستمر الصراع فترةً تمكنت خلالها مجموعة النحل من دحر المعتدين، فقُتِل عدد من الدبابير، ومن نجا منهم لم يخلُ من جراح، فرجعوا وهم يجرّون أذيال الهزيمة.

أصيب الدبور الخبيث بخيبة أمل كبيرة جراء هزيمته النكراء وهو يراقب من بعيد، ثم قرر أن يكرر محاولته البائسة من جديد؛ فأرسل مجموعةً أخرى من الدبابير لعله يستطيع تحقيق ما فشل فيه سابقاً. فجاءت المجموعة الثانية من عصابته، ودار الصراع من جديد، ولم يكن حظ هؤلاء أفضل من سابقيهم؛ فقد هُزموا هزيمة ساحقة.

شعر الدبور بالخيبة من جديد، إذ لم يتمكن من تحقيق مآربه الشريرة. فجلس يفكر محاولاً البحث عن ثغرة ينفذ منها لتحقيق أهدافه. لزم مكانه يراقب حركة النحل، والشر يتطاير من عينيه. أيقن أن الهجوم المباشر لن يفلح، وأن الوسيلة الوحيدة هي اختراق “النسيج الاجتماعي” للخلية، ولن يتم ذلك إلا بوجود عميلٍ من داخلها.

لم ييأس الدبور الشرير رغم طول الانتظار، فأخذ يتتبع أفراد النحل الخارجين لجمع الرحيق والمؤونة. وأخيراً صادف نحلة تؤدي مهمتها؛ فأظهر لها وجهه المزيّف، وتظاهر بالبشاشة وحسن المعاملة، وبدأ حديثًا يخفي بين كلماته شرًا مبطّنًا. وبعد أن اطمأن لارتياحها إليه بدأ يعرض عليها وعودًا مغرية، فانخدعت به وانطلت عليها حيلته، فأيقن أن خطته تسير في المسار الصحيح.

كان الدبور يدرك أن لكل خلية رائحة خاصة تميزها عن غيرها، فهي بمثابة كلمة السر لأفرادها، وتلك الرائحة هي أساس النسيج الاجتماعي. تظاهر برغبته في التعرف على الخلية عن قرب وأن يحلّ ضيفًا بينهم، فصدّقته النحلة وسرّبت له رائحة الخلية، مانحةً إياه “الشفرة” التي تمكنه من الدخول بسهولة دون أن يثير شكوك الحراس.

اقترب الدبور من مدخل الخلية واثقًا، وبعد أن صار يحمل رائحتها دخل دون أن يشك فيه أحد. اتخذ له مكانًا آمنًا وشرع في عمله الشرير؛ يقتل النحل واحدًا تلو الآخر، ويسرق العسل، ويدمر كل ما يعترض طريقه. عاث فسادًا داخل الخلية دون أن يتمكن أحد من إيقافه في البداية.

لكن أحد الحراس لاحظ الاضطراب، فراقب وتأكد أن دخيلاً اخترق الخلية. سارع لإبلاغ بقية النحل، فبدأوا في تتبعه وسط الفوضى حتى عثروا عليه وهاجموه. دارت معركة قوية قاتل فيها الدبور بشراسة، وكان على النحل أن يقاتل بكل قوة لإنقاذ الخلية.

وبعد ساعات من القتال والدفاع المستميت تمكن النحل في النهاية من تطويق الدبور والقضاء عليه. ومع مرور الوقت بدأت الخلية تتعافى من النكبة رغم الخسائر الكبيرة.

أدرك النحل أن خللاً ما قد أحدث صدعًا في صفوفهم كاد أن يودي بالخلية، وأن الدبور ما كان ليجرؤ على اختراقها لولا تلك الثغرة التي أتاحها ضعف أحد أفرادها.

إن قوة وتماسك النسيج الاجتماعي حصنٌ يحمي المجتمع ويحفظ أمنه، أما ضعاف النفوس الذين يستسلمون للوعود المغرية فهم الثغرات التي ينفذ منها العدو. فما يعجز عنه بالقوة، يحققه باستغلالهم واستخدامهم كأدوات لتحقيق أهدافه الخبيثة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights