بيت العائلة
طه جمعه الشرنوبي
كان بيتنا الريفي قائمًا في قرية على طرف المدينة، لا هو قريب منها ولا بعيد، تمامًا كحالي. يمتلئ بعادات الريف وتقاليده، لكنه أحيانًا ما تصفعه نداهة المدينة وأهلها.
كان البيت واسع القلب، نوافذه تطل على زمنٍ أهدأ من هذا، تُفرَش فيه الأرض بالبساطة، وتُعطّره رائحة الخبز الخارج من الفرن الطيني، ويوقظ صباحاته صوت جدتي وهي تردد خلف المذياع دعاء الصباح.
في باحته شجرة توت عجوز، لا تزال تُعطي وإن أتعبها العمر، تُظلّل الجلسات وتحرس الحكايات.
كانت أمي تقول إن البيت مثل الناس، يمرض ويتعب، يفرح ويحنّ. وكان أبي، كلما رجع من المدينة، يخلع همومها على عتبة الباب، يسقي الزرع بيده، ويغنّي للسنابل كأنها بناته.
أما أنا، ابن المدينة المعلّق في الريف، فكنت أجد في هذا البيت شيئًا مني. لم أنتمِ تمامًا إلى الزحام، ولا انفصلتُ عن التراب.
المدينة، بكل سطوتها، لم تستطع انتزاع دفء الأصيل من البيت، ولا حكايات المساء التي كانت تُقال على ضوء مصباح خافت، حين نجتمع كبارًا وصغارًا، وتتشابك القصص كخيوط نول.
كل شيء في المدينة مؤقت، حتى الود. أما في قريتنا، فالوعود تُقال وهم يزرعون البذور، وتُحفظ كما يُحفظ القمح، بلا ورق ولا ختم، فقط بكلمة ونيّة.
أؤمن أن البيوت لا تُبنى بالطوب فقط، بل بالضحك المتراكم في الزوايا، وبالصبر الموضوع في الصحون، وبالدعاء الصاعد من أفواه الأمهات.
أنا قروي لا تُبهرني أضواء المدينة، ولا راق لي صخبها المتعجِّل. أجد في البساطة ملامح الجمال، وفي الهدوء عمقًا لا تصله ضوضاء الشوارع.
لم أُجِد ارتداء الأقنعة، ولا فهمتُ لغة المصاعد الزجاجية. ما زلت أفضّل الأرض الطينية تحت قدمي، وصوت الديك فجرًا يوقظني بلا منبّه.
حين أمشي في طرقات المدينة، أشعر أن خطواتي غريبة على الإسفلت، تميل إلى التراب كلما سنحت لها فرصة. أفتقد رائحة النعناع على حواف الترع، وأفتش في وجوه المارة عن عِشرة القرية، فلا أجد سوى وجوه مُسرِعة، تمضي ولا تنظر.
وكلما عدتُ إلى القرية، خلعت عن كتفيّ ثقل المدينة، كأن العودة طقس تطهّر. لا أكره المدينة، أبتسم لها دون أن أُسلّم قلبي. أزورها كضيف يعرف حدوده، لا يُطيل المقام، ولا يطلب منها أكثر مما يعطيني الريف من دفء وصدق.
أنا قرويٌّ من طين، يزهر إذا بللته الذكرى، ويحنّ إذا نُودي باسم أمه بصوت الجارات.



