الخميس: 12 مارس 2026م - العدد رقم 2852
مقالات صحفية

الخلود من جلجاميش حتى بوتين بين أساطير الملوك وطموحات الزعماء… حلمٌ قديم يطارده العلم الحديث

ماجد بن سليمان المحرزي

لطالما شكّلت فكرة الخلود هاجسًا إنسانيًا عابرًا للأزمنة والحضارات، متخذةً أشكالًا متباينة بحسب السياقات الثقافية والتاريخية. فمنذ فجر الحضارات، مرورًا بالأساطير والأدب، وصولًا إلى الأبحاث العلمية الحديثة، ظل سؤال تجاوز الفناء والمصير المحتوم بالموت حاضرًا في المخيلة البشرية.

في مصر القديمة، سعى الفراعنة إلى تخليد أرواحهم عبر الطقوس الجنائزية الضخمة وبناء الأهرامات، مؤمنين بأن هناك حياةً أخرى بعد الموت تستوجب الاستعداد لها. أما ملحمة جلجاميش، فهي من أوضح التصويرات الأدبية المبكرة لصراع الإنسان مع الفناء؛ إذ فجعت جلجاميش خسارةُ صديقه إنكيدو، فانطلق الملك المستبد في رحلة مضنية باحثًا عن سر الحياة الأبدية، غير أن رحلته انتهت إلى الإقرار بأن الموت قدرٌ لا مفر منه، وأن الخلود لا يملكه إلا واهب الحياة.

وإذا كان الإنسان القديم قد بحث عن الخلود في الأساطير والرموز، فإن الإنسان المعاصر يسعى إليه عبر المختبرات والتكنولوجيا. فالتقدّم المذهل في علوم الطب والأحياء وزراعة الأعضاء، إلى جانب الثورة المتسارعة في التكنولوجيا الحيوية، كلها شواهد على أن حلم إطالة العمر لا يزال حاضرًا في العقل البشري.

وقد يطل هذا النقاش حتى في الخطاب السياسي. ففي مشهد معاصر، دار حديث لافت بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جين بينغ أثناء حضورهما العرض العسكري الذي نظمته بكين مطلع سبتمبر الجاري، والذي عُدّ الأكبر في تاريخ الصين بمناسبة مرور ثمانين عامًا على انتصارها وهزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية. تناول الحوار ما أحرزته التكنولوجيا الحيوية من تقدّم، وكيف يمكن لزراعة الأعضاء والبحوث الطبية أن تطيل أعمار البشر. بدا بوتين متشبثًا بفكرة تجاوز حدود العمر الطبيعي، قائلًا إن الإنسان قد يبلغ السبعين ويبدو كطفل، بينما كان الرئيس الصيني أكثر واقعية حين أشار إلى إمكانية بلوغ الإنسان مئةً وخمسين عامًا بفضل التقدّم العلمي، دون ادعاء ببلوغ الخلود المطلق.

ورغم تكرار الحلم الإنساني، تبقى الحقيقة كما هي: الموت هو اليقين الوحيد والمصير الحتمي الذي لا مهرب منه، مهما تقدّم العلم. وكما قال أبو العلاء المعري منذ قرون:

تعبٌ كلُّها الحياةُ، فما أعجبَ إلا من راغبٍ في ازدياد.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights