رسائل فؤاد-ج17: أقنعة تخدش هدوء الحياة
فؤاد البوسعيدي
اللحظات المؤلمة
يقول أحدهم، وفي سياق كلامه عن إحدى أسوأ اللحظات الجارحة والمؤلمة لمشاعره في حياته:
“إن محاولتك توضيح وتفسير الأمور على حقيقتها الحقة واتخاذك خطوات من أجل قول الصواب، أو أن تكون أحيانًا حكيمًا وذي رجاحة عقل عكس الآخرين، قد لا تجلب لك سوى الكثير من المصائب والمزيد من الاختلافات مع من يختلف رأيك معه. حقيقة، أكثر ما جرحني عاطفيًا وقتلني فكريًا في هذه الحياة هو عندما قام أحدهم بوصفي وتشبيهي بإبليس اللعين، رغم طيبة قلبي ومشاعري تجاهه ونحو جميع الناس الذين نتعامل معهم يوميًا.”
**ضباب الشك والريبة**
يحدث أن نمر أحيانًا بلحظات لا نستطيع فيها أن نستجمع الأفكار لنفهم ما يجري من حولنا، رغم شدة وضوح الأمور التي تحدث قربنا والتي تقع أمام أعيننا. في بعض لحظات الشك والريبة، يحدث أن نكون بلا إشارة واضحة أو بوصلة راشدة ترينا الطريق الصحيح وتعيننا على اختيار الموقف الصائب الذي سيقينا من غياهب تلك اللحظة المظلمة التي ربما نتخذ فيها قرارًا مهمًا أو موقفًا مصيريًا يتحدد فيه علاقتنا مع أحدهم أو مع مجموعة من الناس. تعبر بنا الأيام أحيانًا بأوقات تكون فيها كثرة العلامات والإشارات من حولنا لها واقع سلبي علينا وعلى ما نريد أن يحصل ويحدث لنا بعد حين. تتلاعب بنا الأفكار بسبب تأثرنا بظروف معينة قد تكون مفاجئة، أو قد تكون نتيجة تراكمات المشكلات وعقبات ألمّت بنا، إلى أن نصل لتلك الحدود التي لا نعلم عن تلك الضفة الخضراء التي ما إن نضع أقدامنا عليها حتى نكون في قمة الاستمتاع بالأمان والراحة والهدوء مع من حولنا من البشر.
**صناعة الظروف وتأثيرها**
قد يصنع أحدهم الظروف السيئة التي، إن كانت مهيأة كما ينبغي، ستكون حافزًا مناسبًا لإعاقة تقدمه في أمر من الأمور التي ينويها، أو تلك الأمور التي لا تخطر في باله. وقد يكون حضور ووجود أحد تلك الظروف السيئة بدون قصد، وفي بعض الأحيان قد يكون ذلك بقصد منه، وكأنه – أي صانع الظرف نفسه – يقدم مصلحته الشخصية دون الآخرين. وربما يرى في نفسه الشجاعة والإقدام الذي قد يضره في وقت من الأوقات. لكن، هل هؤلاء يملكون الشجاعة لتغيير تلك الظروف التي صنعوها بأيديهم، فآذوا بها أنفسهم قبل أن يؤذوا غيرهم بسببها؟!
**علامات الحياة في الطبيعة الإنسانية**
تقول الروائية والناقدة الأدبية الأستاذة رضوى عاشور، صاحبة الرواية المشهورة “ثلاثية غرناطة”، وفي إحدى سطور روايتها تلك:
“لكل شيء في هذه الدنيا علامة، قد لا يفهمها الإنسان أبدًا، وقد يفهمها بعد حين.”
الكثير منا، على اختلاف ظروفنا، نكاد نجزم ونؤمن في داخلنا بأننا نملك عددًا من الخصال الحميدة والطيبة الكثيرة بالمقارنة مع من نتعامل معهم. كذلك، الكثير، وربما الغالبية منا، لدينا نفس الشعور الداخلي بأننا خُلقنا مسالمين في طباعنا، ولسنا نصنع العداوة في علاقاتنا عندما نختلط في حياتنا اليومية مع غيرنا من الأشخاص الآخرين على اختلاف وجودهم وحضورهم وقربهم وقرابتهم لنا من الأقارب والأصدقاء والزملاء وغيرهم. لكننا، كذلك، وفي دائرة الواقع المغيب والمخفي عنا حول ما يحدث في علاقاتنا، هناك حقيقة مغيبة عنا، ألا وهي أن هناك الكثير والمثير مما نجهله ولا نعلم عنه في غالب الوقت عن الآخرين.
**هشاشة العقل ومفارقات الخبرة**
يقول الأديب الكبير يوسف السباعي:
“ليس الخطر أن يقوم الصراع بين الحق والباطل، لكن الخطر أن يفقد الناس الإحساس بالفرق بين الحق والباطل.”
أحيانًا، ومن وقائع الخبرات الحياتية، سنجد أن هذا العقل البشري الذي نملكه والذي نفخر به كثيرًا هو، في الحقيقة، هش وضعيف عندما يقابل الإنسان بعض الأمور ويواجه في مساره المشكلات. وهذا العقل يكون أكثر ضعفًا وهشاشة من قلوبنا التي قد نفقد السيطرة عليها، والتي يغلبها ويضعفها مرورنا داخل بعض المشاعر والأحاسيس. في بعض تلك الخبرات الحياتية، قد يحدث أن نتعرض إلى شيء من الخداع الفكري الذي قد يجعلنا نولد الاعتقاد في دواخلنا حول جميع تلك الأمور القريبة إلينا وبعض الأشخاص، على اختلاف علاقتهم بنا وتفاعلاتهم معنا، بأننا نعلم عنها أو نعرف عنهم كل خفاياها وأسرارها أو كل مشاعرهم تجاهنا. ولكن، في الحقيقة، نحن لن نعلم الكثير عن كل ما حولنا، ولن نكون نملك توكيدًا جيدًا عن الكثير مما يحدث أو حدث، سوى بعد تجربة حياتية قريبة ومباشرة، وهي التي سيتبعها بعد ذلك حصولنا على فائدة العلم والخبرة تجاه ما يحيط بنا.
**خفايا الآخرين ومشاعرنا تجاههم**
إن خلاصة تجارب حياتنا وواقع ما تعلمناه في الحياة من الخبرات قد يقودنا إلى هذا التعقيب الذي قد نتناساه أحيانًا: للأسف، هناك الكثير من الخفايا والأسرار التي ربما لا ندركها عند من نتشارك معهم بعض اللحظات والأوقات في حياتنا. علينا أن نعلم أننا نعيش مع بعض أولئك الآخرين الذين نعاملهم بكل رفق وطيب، وربما قد نصنع لهم كل مستحيل من أجل راحة بالهم ودوام سعادة قلوبهم ورفاهية حياتهم، من دون أن يعلموا بذلك. أولئك الذين يملكهم التوجس والريبة ضدنا مع كل خطوة نقوم بها، وقد يحملون الشكوك السلبية تجاهنا ونحو أفكارنا التي تخالفهم. علينا أن نعلم أن بعضًا من أولئك قد يحيطهم، في مقابل مشاعرنا الطيبة تجاههم، بعض الظنون الخاطئة في أساريرهم الداخلية نحونا، بأننا ربما نود أن نقلب عليهم الطاولة من أمامهم، أو تلك المقاعد التي يجلسون عليها، وبأننا نبغي أن نعمر ونزيد ونكثر عليهم الكثير من الأوقات القاتمة والقاسية واللحظات المرة التي حتماً ستضر بهم وتنزل عليهم السوء، أو أننا ربما نريد أن نتسبب لهم بالشرور في أموالهم وأولادهم بطريقة ما أو بأخرى.
بارك الله لكم ولنا، وأصلح القلوب والأحوال، وأبعد عنا الأهوال، ما ظهر منها وما غاب عن أعيننا.



