التعالق النصي بين القرآن الكريم ونهج البلاغة في الخطبة الأولى-القسم الأول
د. حميد أبو شفيق الكناني
كاتب إيراني حافظ للقرآن الكريم ونهج البلاغة
الخطبة الأولى
فَطَرَ الْخَلَائِقَ بِقُدْرَتِهِ،
وَنَشَرَ الرِّيَاحَ بِرَحْمَتِهِ،
وَوَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَيَدَانَ أَرْضِهِ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [فاطر: 1].
فَطَرَ الْخَلَائِقَ بِقُدْرَتِهِ (خ 1).
{وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [الأعراف: 57].
وَنَشَرَ الرِّيَاحَ بِرَحْمَتِهِ (خ 1).
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) [النبأ: 6-7].
وَوَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَيَدَانَ أَرْضِهِ (خ 1).
⸻
التعليق
على الرغم من وضوح النص إلا أن التعمق فيه يوحي بجذور تاريخية وحقائق جغرافية قد لا يبلغها العلماء، ولا يدرك حقيقتها الحكماء إلا بعد جهد وعناء ومضي زمن ليس بقصير من البحث والتحقيق والحفر والتنقيب.
{أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30].
ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ فَتْقَ الْأَجْوَاءِ وَشَقَّ الْأَرْجَاءِ وَسَكَائِكَ الْهَوَاءِ، فَأَجْرَى فِيهَا مَاءً مُتَلَاطِمًا تَيَّارُهُ، مُتَرَاكِمًا زَخَّارُهُ (خ 1).
(إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ) [الصافات: 6].
ثُمَّ زَيَّنَهَا بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ وَضِيَاءِ الثَّوَاقِبِ (خ 1).
{تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا} [الفرقان: 61].
وَأَجْرَى فِيهَا سِرَاجًا مُسْتَطِيرًا وَقَمَرًا مُنِيرًا فِي فَلَكٍ دَائِرٍ وَسَقْفٍ سَائِرٍ وَرَقِيمٍ مَائِرٍ (خ 1).
⸻
التعليق
تعود بنا الآيات المختارة التي تعالق وتعانق نص نهج البلاغة إلى زمن سحيق وعهد عتيق، ليستخرج لنا الإمام (ع) من مجاهل تاريخ الكون المتلاطم حقائق مذهلة في عبارات مدهشة، تكشف جانبًا من المظاهر الكونية التي أعطت كوكب الأرض حق الحياة وبثت فيه روح الحركة والحيوية بإذن الله الذي يقول:
والأرض وضعها للأنام [الرحمن: 10].
{وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الزمر: 75].
(وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166)) [الصافات: 165-166].
ثُمَّ فَتَقَ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ الْعُلَا، فَمَلَأَهُنَّ أَطْوَارًا مِنْ مَلَائِكَتِهِ: مِنْهُمْ سُجُودٌ لَا يَرْكَعُونَ، وَرُكُوعٌ لَا يَنْتَصِبُونَ، وَصَافُّونَ لَا يَتَزَايَلُونَ، وَمُسَبِّحُونَ لَا يَسْأَمُونَ (خ 1).
{الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (9)} [السجدة: 7-9].
ثُمَّ جَمَعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الْأَرْضِ وَسَهْلِهَا وَعَذْبِهَا وَسَبَخِهَا تُرْبَةً سَنَّهَا بِالْمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ… (خ 1).
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا…} [الحجر: 28-38].
وَاسْتَأْدَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمَلَائِكَةَ وَدِيعَتَهُ… (خ 1).
⸻
التعليق
من خلق الملائكة في السموات العلى إلى خلقة الإنسان في الأرضين السفلى نلاحظ انسيابية رائعة في روعة البيان ولوعة الأحداث وجمالية السرد القصصي.
إضافة إلى ذلك، محاكاة القرآن الناطق للقرآن الصامت، فإذا هو ترجمان أنيق وبيان دقيق لآيات الذكر الحكيم.
{وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ…} [البقرة: 35-37].
ثُمَّ أَسْكَنَ سُبْحَانَهُ آدَمَ دَارًا أَرْغَدَ فِيهَا عَيْشَهُ… (خ 1).
⸻
التعليق
يالها من قصة قصيرة تحتوي عبراً كثيرة، وتشتمل على المعاني الكبيرة.
كانت وما زالت منبعًا ومرجعًا ومصدر إلهام للعلماء والحكماء والأدباء والشعراء.
وأجمل من ذلك قول الإمام علي (ع):
“هلاك المرء في ثلاث: الكبر والحرص والحسد؛ فالكبر هلاك الدين، وبه لُعِنَ إبليس؛ والحرص عدو النفس، به أخرج آدم من الجنة؛ والحسد رائد السوء، ومنه قتل قابيل هابيل.”
روعة الكلام ولوعة الآلام تتجلى في هذا التحليل الأخلاقي والنقد التاريخي للقصة.
والحديث ذو شجون،
ولله في خلقه شؤون.



