من وحي الجامعة ..
هلال السليماني
إنها الجامعة.. تنسكب الذكريات عند كل زيارة. لا زالت في مكانها، كأنها بانتظار الرفاق، ولا زالت الذاكرة محتفظة بالخطوات الأولى في الدروب والزوايا، هذا الشموخ الذي تلامسه في الأمكنة، الحضور الكثيف للحظات التي عشناها مع الأحبة زملاء الدفعة الأولى. يا لسرعة الزمن! كيف مرت تلك السنوات؟ أربعون عامًا منذ الخطوة الأولى التي كنا نتلمس فيها دروب المستقبل، يدفعنا الطموح ورغبة استكشاف الأشياء. جئنا من حارات عُمان وقراها، نهمس في أنفسنا: هل تحقق الحلم؟
وفي الطريق عبر ممرات الجامعة ودهاليزها كانت ضحكاتنا يتردد صداها في أفق الجامعة وفي مساءاتها المكتظة بنا، وكأننا وحدنا من دخل جامعة، وأي جامعة! إنها “جامعة السلطان قابوس” التي تأسست “لتحيي أرواحًا ونفوسًا”. نستذكر اللحظات ونستعيد الذاكرة بالأسماء والشخوص التي مرت من هنا.
في الطريق إلى كلية التربية تلمح الشيخ عامر بن علي بن عمير المرهوبي، أول رئيس للجامعة، يسير ميممًا صوب مكتبه في إدارة الجامعة. نسير قاصدين إلى عمادة شؤون الطلاب حيث خميس رجب وسعيدة خاطر. ما زالت رائحة المكان تثير سيلًا من الذكريات. في الطريق إلى المكتبة تلمح موسى الكندي وهو يقلب سجل الاستعارة. أستذكر الأنشودة حينها:
“ومن حكمة السلطان قابوس.. المكتبة فيها قواميس”.
لا بد من العودة إلى قاعة المحاضرات، فالدكتور الليثي على الموعد، والرفاق يتمتمون في استذكار لمحاضرة الأمس حول مفهوم “لغة من لا ينتظر”، فربما يرشقنا كعادته بسؤال المحاضرة. يبادرني بالسؤال بقوله: قف أيها الصقر. أعرب:
“وأوهى قرنه الوعل”.
ها هو الرفيق العزيز يوكزني قائلًا: “ضوقه”، وأنا أتصبب عرقًا في شتاء يناير. لكنه يردف قائلًا: سأغزو بكم العالم. ذكريات لا تُنسى بطعم الشهد ومرارة الانكسار عند النتائج. “ما علينا”. فالغتامي (رحمه الله) هو الأول دائمًا في (مقرر النحو العربي)، وطّنا أنفسنا في الدفعة على هذا.
في المساء يحلو التطواف حول الجامعة، نسابق الخطوات وتعلو الضحكات. وفي أمسيات الشعر وكوكبة جماعة الخليل يأتي سيف الرمضاني متأبطًا دفتر القصيد، يسل سيف الكلمات ويصدمنا بالمقدمات الرائعة:
“لا لست شعري إن لم تُطرب الأذنا… بل لست شعرًا إذا لم تفتح المدنا”.
ويأتي “البدري”، فارس المساجلات الشعرية، ليصرع الخصوم على طريقة:
“يصرعن ذا اللب…”
إيه.. أيتها الليالي والأمسيات الموسيقية، وأصوات سالم الكندي وهو يدندن على أنغام رائعة “من بادي الوقت”. لحظات محفورة في الذاكرة نستعيدها بين الحين والآخر، لنجد أنفسنا وقد مضى بنا العمر.
تحية لتلك الذكريات والمشاهد التي لا تُنسى، وشكرًا لكم أيها الرفاق



