صلالة.. الملتقى.. ورحلة الذاكرة
هلال السليماني
يلتف الصحب وتتقارب الأمكنة، والوجهة ظفار إلى ملتقى الصحفيين الذي يؤكد حضوره الدائم على خارطة الملتقيات وفي المكان. وأي مكان؟! إلى هناك، إلى حيث الأمكنة التي يصعب وصفها، إلى الوجهات الأولى في مسارات النهضة، وإلى منازل الخطوات التي أخذت منا شيئًا وتركت آخر، لتتوزعه الدروب على مساحة الوطن من رأس مسندم إلى ضلكوت.
ورغم المسافة ما بيننا، فإن صدى الزوايا والأمكنة يتردد في الأعماق هناك، في شارع المطار والسلام و23 يوليو، وفي “محلات الاستقرار” وعند ممرات “سوق الحافة” وزواياه ومنعرجاته، إلى كل الأمكنة التي تستيقظ في الذاكرة عند كل طيف ومشهد. إنها لحظة من لحظات العمر، إنها صلالة.. وجهة الأحبة ونزهة المشتاق. نعود إليها كل حين، قد تسعفنا الذاكرة.
حين كنا هناك نرصف دروب شارع المطار على مرأى الرقيب في “برج النهضة” الذي يقف مزهوًا وشاهدًا على عصر الإنجازات التي تحققت في أرض البطولات والتضحيات، نسمع صداها في:
“واعدتك يا صولي .. قرب حمران بشوية.
تعبت ما معي قدرة .. من السيرة والجية.
مسا قلبي متحول .. للديرة الشرقية.”
وعلى أنغام “عيني عين الموتر” التي تتأجج نهضة مع “رجلي رجلي مطية”، يلقي البرج التحية على العابرين مرحبًا وملوحًا بالسلام، والنشيد “بثلاثة وعشرين يوليو .. قد حطم أصفادا”، ويهمس في أذن السائرين بأمان واطمئنان.
إلى هنا، حيث الهوى والهوية تنسكب غيثًا على ثرى الوطن نهضةً تسابق نفسها. أيها الرفاق المتحزمون بالمجد، جئتكم محمّلًا بذكريات السنين؛ ذكريات من مطلع التسعينات، حين كنت معكم في معهد السلطان قابوس للثقافة الإسلامية، حينها تقاسمت معكم شيئًا من العمر والكثير من الحكايا والذكريات.
أيها الأعزاء.. نعود ولا زالت السماء تمطر كعادتها لهفة واشتياقًا، والأرض تنبعث منها رائحة اللبان التي تعطر الأجواء، ومشاهد الغيم المنسكب على هضاب “أتين” وقمم “سمحان”. نعود وقد أخذنا عبق البخور عند “أم مروان” وطعم النارجيل ومذاق “المشلي”، نعود إلى الوطن الذي يسكننا كلما جاء الخريف ليدور دورته، وكأن للعشق مواسم تُعرف من رائحة الخريف وعبق اللبان. فنظرة إلى الأفق في لحظات الغروب على سهل “أتين” كفيلة باستذكار المكان.
أيها الرفاق.. نعود إلى المواطن المكتنزة بالجمال والجلال والروعة، إلى بوابات الحصن وعند “حي الشاطئ”، حين كانت تتعطر صلالة بهيبة المقام السامي في زياراته إلى “المعمورة” و”الرباط” و”الحصن”، حيث الأماكن تأخذ شكلها وألوان الدروب تسيل وطنية، فوجوه العابرين تفضح نفسها بالحب لوطن يزهو.
ومن بوابات “الحصن” إلى مزارات شلالات المياه والعيون في “دربات” و”صحنوت” و”أرزات” و”حمران” و”جرزيز”، تتوزع مشاهد البهجة. وفي مساءات الخريف نتكئ على سهل “أتين” نلقي بأجسادنا على ضفافه، في ليالي السمر التي عشناها هنا مع “رفاق الجنوب”. جمعتنا صلالة وهي لا زالت على العهد تجمعنا بين الحين والآخر، رغم لحظات انشغالنا وانشغالاتنا، لنعود إليها محمّلين بالأشواق والذكريات، إلى دروب “طاقة” و”المغسيل” وشاطئ “خور روري”، إلى “مرباط” الحبيبة عروس البحر.
نأتيك وقد أنهكنا القيظ هنا، ولوّحت أجسادنا شمس الظهيرة، برغم أمطار الصيف الخاطفة ومياه الأفلاج المنسابة بغزارتها هنا في “دارس” و”الخطمين” و”الخطم”. نتخفف فيها أحيانًا من عبء الحر في شريعة “الصغرين” في “معمد” تحت ظل “الشكلة”، حتى نجد أنفسنا وقد أخذتنا الخطوات إلى هدير مكيفات “مسجد الشريعة”. لكنه في ظفار شيء آخر، إنه رذاذ الخريف ينسيك لفحة الرمضاء ووهج الشمس الملتهب.
تشتعل فينا الذكريات إلى الجنوب، حيث الاشتياق إلى الأمكنة المعطّرة بروح الشباب والأجواء الاستثنائية. عودًا حميدًا بصحبة زملاء “جمعية الصحفيين العمانية” في الملتقى، وما أروع الملتقى حين يكون في مدينة الضباب والخريف! نستذكر أولئك الذين جمعتنا بهم سنوات العمر الأولى، إليها نشد الرحال، نتخفف من لهيب الطقس إلى أحضان “القوف” و”الزاوية”، والدروب التي لا زالت تتذكر خطواتنا وتنتعش لحظة قدومنا. إنه الوفاء لعهد كاد أن يتصرم، نصيخ السمع إلى أصوات الحنين في رائعة “الأطلال” و”تناسيني” و”زوروني في كل سنة مرة”، نطرب بها في مسارات الغربة في تلك الدروب والزوايا التي تفيض حنينًا بصحبة الرفاق.
رغم أني تذكرت رائعة خالد الفيصل حينها:
“من بادي الوقت .. حلو الليالي توارى مثل الأحلامي”،
لكن الأمكنة الزاخرة بالجمال والذكريات تستحق، برغم “طبع الأيام”.
فتحية لصلالة هذا التألق.. وللملتقى دوام التوفيق والنجاح



