((الشجرة المدللة ))
ميادة رامس عبدالله العمرية
في إحدى القرى الصغيرة عندما كان الأطفال يلعبون ، ظهر فجأة نسرٌ كبير جداً، وبدأ في الاقتراب منهم، ففر الأطفال ذعراً مبتعدين عن المكان عدا كنان الذي لم يتجاوز ربيعه الثاني، فهجم عليه النسر وأنشب فيه مخالبه، وكاد أن يحلق به لولا أن والده كان قريباً منه ، فلقف حجراً و رمى به النسر فأفلته، وسقط كِنان صارخاً ، وقد أُصيبت عينه بجرح عميق أدى إلى تشوه وجهه.
كبر كِنان وأضحى في عمر العاشرة، وكان محطّ سخرية أقرانه، فكان يراقبهم وهو حزين ، يتمنى أن يشاركهم اللّعب، إلا أنهم لا يسمحون له بذلك؛ بسبب العاهة التي لحقت عينيه ، بل كلما رأوه رموه بالحجارة وركضوا خلفه مرددين : “إنه العفريت الوحش “.
مع مرور الأيام لاحظ كِنان اختفاء الأطفال من القرية ، فبدأ يتساءل عن سر هذا الاختفاء الغامض ، حتى اكتشف أن مرضاً غريباً أصابهم فجعلهم لا يستطيعون الرؤية بوضوح.
شعر الأطفال فيما بعد بالندم الشديد على ما فعلوه بكِنان، فاجتمعوا به وهم يبكون ندماً، واعتذروا له أمام الجميع، ، فسامحهم، وعادوا إلى منازلهم ولم يغادروها .
وفي ليلة من الليالي ، رأى كِنان جده المتوفى أمامه ، فركض إليه فرحاً واحتضنه..
بعد دلك سأل الجد كنان عن أحواله فأجابه:
:أنا بخير يا جدي، فلم يعد يدعوني أحد بالوحش ،
وقد إعتذوا لي وقد سرني ذلك كثيرآ
لكني حزين على ما أصابهم ، فابتسم الجد، وبعدها أدخل يده في كيس ثم أخرج آلة صغيرة، يدها خشبية ورأسها حاد كالسكين وقال: “خذ هذا يا بُني”
فقال كِنان: “ما هذا يا جدي؟؟؟”
فقال :”إنه منقف”
وما حاجتي إليه؟!!!
فقال الجد : اسمعني يا كِنان توجد أرض طيبة تسمى “سأكلن”، توجد بها شجرة فريدة من نوعها تسمى الشجرة المدللة ،أخبر والدك بأن يعثر عليها وأن يقوم بتجريح ساقاها بهذا المنقف ، وسينتج عن ذلك قطرات ستتجمد فيما بعد وتصبح كالبلورات، تُسمى اللُبان ، و بعد أن تتم المهمة اذهبوا إلى القرية وقم بإحراق تلك البلورات ثم اجعل جدتك تصنع من رمادها الكُحل، ليُكَحَّل بها عيون الأطفال كل يوم، و سيشفى الجميع بإذن الله .
ثم اختفى الجد ، فناداه : ” جدي …جدي …”
حتى أستيقظ، وتفاجأ بوجود المنقف بجانبه، و علم الجميع برؤية كِنان وساد الاستبشار نفوسهم .
بعد ذلك انطلقت سفينة وعلى متنها كِنان ووالده وبعض رجال القرية لتبدأ عملية البحث ،وكانوا كلما صادفوا بحارة في طريقهم سألوهم عن أرض سأكلن حتى تبين لهم أن سأكلن هي نفسها ظفار.
إلى أن رست سفينتهم بميناء منتعش بالتجارة ، فوجدوا حجراً كبير اً منقوشا عليه (العصر الحديدي في ظفار”، أهلا بكم في ميناء سمهرم).
كان الميناء مزدحماً جداً بالتجار، فاستوقف أبو كِنان أحد المارة وقال :
: مرحبا
: هل تعلم أين أجد الشجرة المدللة؟
: أتقصد شجرة الُلبان؟
: نعم الُلبان هذا ما نبحث عنه هل بإمكانك ان تدلنا عليه؟
: اسمعني إن كنت لا تملك ثمنه فلن تستطيع الحصول عليه ،وبعد أن
اخبرهم بقيمته ، بدا الحزن على الجميع ؛ لأنهم لا يملكون قيمته،
فقال لهم الرجل : يمكنكم استبدال الحرير باللُبان.
لكن لم يكن لديهم حرير، فقال لهم:
بإمكاني أن أعطيك أربعين حبة دون مقابل،
فقال والد كِنان: لكننا نحتاج المزيد منه.
فقال له: اذا لابد أن تدفع ثمنه.
وتركهم وواصل طريقه، فلحق به كِنان : “يا عم يا عم” .
فتوقف وقال :
:ماذا هناك ؟
فقال: أرجوك يا عم ساعدنا نحن نريد المزيد من الُلبان لعلاج أصدقائي، وأخبره عن مرضهم الغريب ،وعن رؤيته لجده ، ثم أخرج له المنقف فتفاجأ الرجل وقال له: يبدو أن جدك كان رجلاً صالحاً، وبما أنك تريد مساعدة أصدقائك فسوف أساعدكم للوصول إلى “الشجرة المدللة “.
بعد أن أتموا المهمة عادوا إلى قريتهم ، وعلم الجميع بقدومهم وخرجوا لاستقبالهم فرحين والكل يهتف الحمد لله .
بعدها تم إحراق اللُبان وسط القرية وانتشرت رائحته العطرة ، وصُنع الكحل وشُفي الأطفال وعادت للقرية بهجة الحياة.


