رواية قصيرة حين يصمتُ الجوار… يتحدث يمنُ الأنصار- الجزء الأول
إبراهيم مجاهد صلاح
المُقدمة
في الركن الجنوبي الغربي من وطنٍ عربيٍ مثقوب بالخذلان، تصرخ غزة ولا يسمعها الجوار.
يُذبح الأطفال وهم يعدّون أحلامهم، ولا أحد يمد يده سوى من جُوّع، وحُوصِر، وحُمِّل ما لا يُحتمل. هذه الرواية” ليست حكاية مدينة فقط، بل وثيقة ألمٍ لأمّة تخلّت عن شرفها على أبواب فلسطين.
وفي هذا الصمت، يعلو صوت طفلٍ يمنيّ يقتسم خبزه مع طفلٍ غزّي، وصوت مقاتل يهمس في الريح: *لن تذبحوا فلسطين وحدها
الجزء الأول
صرخة غزة.. عندما يختنق الأمل
في مخيم النصيرات، الشمس تشرق
بخجلٌ من إضاءة ما تبقى من الحياة.
رائحة الجيف والبارود ثقلٌ في الهواء
والأرض ترتجف تحت الأقدام
ترفض حمل المزيد من الموتى.
سالم العجوز، الناجي من ثلاث حروب
يحفر قبر ابنته بقبضتيه المجروحتين
لا خشب يليه، ولا كفن سوى ثوبٍ ممزق.
تحت وطأة الرعب، غطّى الجثة بتراب ناقص،
وركض لينجو…
والطائرة المسيرة تلتقط صوراً
“تذكارية” لما لم يعد يُحتمل.
—
في شارع الجامعة، حيث كانت رائحة السوق تبقى زكية
تحوّلت رائحة التوابل إلى نتانة اليأس
أم أحمد تقف أمام المخبز منذ الفجر
تراقب خبازاً يُقسّم رغيفاً إلى أثمان
تمد يدها المرتعشة لحصتها الرغيف الفاسد
تسمع صفارة إنذار
يهرع الجميع
وأم أحمد لا تتحرك…
تعرف: الموت جوعاً
أبطأ وأكثر إيلامًا من طلقة.
—
في غرفة التحكم بغلافي
الضابط داني يشرب قهوته
ينظر لطفل—محمود
يحاول سرقة طعام من الأنقاض.
يضحك: “هيا نلعب لعبة الصيد!”
تحوّل الطفل إلى هدف
الطائرة تتحرك، المسارات تُضبط بعصا التحكم
الطفل يركض في متاهة ركام
الضابط يطلق النار قرب القدمين
لإطالة اللعب…
ثم الملل
صاروخ صغير…
جسد الطفل يتبخّر
علبة طعام تطير
حيداء صغيرة تسقط بجانبه، محترقة
—
د. مريم، الطبيبة الوحيدة في مستشفى الشفاء
ثلاثة أيام بلا توقف، عيناها ملتهبتان بالإرهاق
يداها ترتعشان من التعب.
في جناح الأطفال، خمسون سريراً
كل سرير يحتضن اثنين أو ثلاثة أطفال
أجهزة التنفس تعمل بالبطاريات القديمة…
ثم ينقطع التيار برقٍ خامس عشر مرة…
أجهزة التنفس تتوقف واحدة تلو الأخرى.
صراخ الممرضة: “الطفلة تختنق!”
د. مريم تبدأ الإنعاش القلبي يدوياً،
تعرف أن الأمل ميؤوس.
نظرت للساعة: الثالثة صباحاً،
خارج النافذة، سماء غزة مضاءة بقذائف بدلاً من نجوم.
—
في غرفة بالطابق الثالث مدمَّرة جزئياً
يوسف (12 سنة) يكتب في دفتر مدرسي قديم:
“أبي العزيز
أنا أحاول أن أكون شجاعاً كما علمتني.
لكني أخاف كثيراً عندما تدوي الانفجارات.
ماما تقول أنك في مكان آمن الآن.
هل يوجد مكان آمن حقاً؟
البارحة، مات جارنا الصغير سمير من الجوع.
ماما أعطته ملعقة من السكر قبل أن يموت.
أنا لم أبكِ، لأن ماما قالت أن الدموع لن تطعمنا.
أشتاق إليك كثيراً…
ابنك يوسف.”
ذلك الدفتر سيبقى تحت الأنقاض
والمبنى سيدمر بعد ساعتين من كتابة الرسالة.
في الوقت ذاته، قادة العالم في مؤتمر صحفي،
يقول أحدهم: “ندعو لضبط النفس.”
يضيف آخر: “ندعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها.
في القاعة، مراسلون يسجلون الكلام…
في الخارج، متظاهرون يهتفون لوقف إطلاق النار…
لكن في غزة… لا أحد يسمع.
—
في زاوية من مستوصف “الأمل” المدمر،
خمسة أطفال من حول سرير صدئ.
ندى (9 سنوات) تحمل حبة الباراسيتامول الأخيرة
عيون الأطفال تحترق بالحمى.
هسترت ندى بصوت أجش:
“كلنا نعرف القاعدة… من كانت حرارته أعلى يحصل على نصيب أكبر.”
قطعتها بأسنانها، نصيبُ ياسمين الأكبر
محمد ابتلع قطاعته، ثم تقيأها،
التقطها مجدداً ابتلَعها…
في الخارج، د. سارة تبكي بصمت…
عرفت أن الحبة منتهية الصلاحية منذ شهرين
ولكنها أخفت الخبر.
—
أم علي (32 عاماً) جثت ركبتَين في خيمة
تحاول إرضاع طفلها الباكي
صدرها جاف منذ ثلاثة أيام
خرجت قطرة دمٍ واحدة.
الطفل (6 أشهر) عضها بعنف
ثم التفت إلى القماش الممزق الذي يلفه
في الزاوية، جثتا التوأمين (3 سنوات)، ملفوفتان
لم تُدفن بعد، أم علي تأمل بكفن نظيف.
أم يوسف، الجارة، سمعت الطفل يبكي
أعطته ماء أرزٍ أسود، آخر ما بقي
وقالت بصوتاً حيادياً:
“إذا متِ الليلة، سآخذه ابناً لي.”
—
أبو أسامة (60 عاماً)
يحفر بيدين متشققتين في بقايا حديقة منزله
يداه تنزف على مجرفة صدئة.
ثماني جثث أمامه: جارته وأولادها الخمسة
وطفلان مجهولان وجدهما في الشارع.
حفرةٌ واحدة خندق؛ رتب الجثث مثل قطع خشب
وسرعان ما غطها بالتراب…
ثم سمع أنيناً خافتاً…
طفلٌ لا يزال حياً!
أسرع بإخراجه… آدم (5 سنوات)
ومات بين ذراعيه.
نظر إلى السماء بلا دموع، ثم أكمل الدفن
يعرف أن قذيفةً جديدة قد تأتي في أي لحظة.
—
في قاعدة عسكرية قرب غزة
الجندي إيّال (22 عاماً) يقلب صوراً على هاتفه أمام زملائه:
“هذه جثث عائلة كاملة قتلتهم طائرتي البارحة”
و”سيلفي مع الشيخ الذي رفض مغادرة بيته.”
ضحكٌ بينهم
أما الفيديو الأشهر: “لعبة الصيد”
المطاردة المستمرة 17 دقيقة، ثم الانفجار
تعليقاتُ الجنود في المجموعة:
“ممتاز، نحتاج تحسين الدقة.”
“المشكلة أنهم يموتون بسرعة.”
إيّال: “الليلة نجرب سلاحًا جديدًا في حي الشجاعية… سأرسل لكم لقطات 4 كي “
الفصل الثاني
ندى تحلم بصوت أمها يغني
لكن الحلم تحطم بصراخ مكتوم
فتحت عينيها لتجد يوسف يوقظها قائلاً:
“انظري! إنهم يعودون!”
ظلال بشرية تتحرك تحت ضوء القمر المشوّه
عائلات تعود ليس للبحث عن ناجٍ
بل للبحث عن أكفان.
أم محمد الجارة العجوز، تمزّق ستائر الدار المحترق
تعلم ندى كيفية خياطة الكفن
القطن يمتص الدماء ولا يظهرها
تلك النصيحة الوحيدة في زمن السفر إلى الموت دون تذكرة.
في باحة مستشفى مهجور
القاعة التي كانت عملياتٍ وغرفة طوارئ
تحولت إلى سوق سوداء
يبيعون الماء الملوث على طاولة العمليات
يجري الأطفال تعاويذ ضد القصف بجوار جهاز الأشعة
وفي زاوية حالكة: جواز سفر تركي مقابل كلية بشرية.
د. كريم يراقب من شرفة مهشّمة
في يده سرنجة مورفين سرقها
يفكر في حقن نفسه بها
لكن طفل جريح في الطابق الأسفل
يدعو المورفين أكثر من روحه.
في غلافٍ معزول بالأسلاك
نوعام الجندي (19 عامًا) يتفرّج على مقتل حي
شاشة يُقتل فيها إرهابيون وهميون
وفي القسم الآخر: مشاهد حية من غزة
يقتل عائلة وهي تهرب
زرّ واحد لحياة، زر آخر للعبة
ضحكة الانتصار تطغى على وجع الإنسانية:
“حققت إصابة مباشرة! لقد كسرت رقمي القياسي!”
تحت أنقاض مدرسة “الأونروا
عثر محمود (12 عامًا) على زجاجة قديمة
بداخلها قرى من الصدى والأثر
رسالة حسن (15 عامًا): يخبر أبيه عن خوفه
يعتذر عن الهروب
أولاده في الجوع
سامحني لأن الجوع كان أقوى من خوفي.
الرسالة التالية من طفلة:
أخاف أن أنام …
أرى والدي يصرخ تحت الأنقاض.
محمود يضيف رسالته: لا أريد الموت وأنا جائع، إن لم تعد، سآتي إليك.
يترك الزجاجة حيث وجدها
عسى أن تتدحرج يومًا وتصل إلى من يسمع.
فجر في مسجد الفتح المدمّر
سبعة رجال يصلّون
الجدران مشققة والمئذنة نصف مقطوعة
الشيخ وائل (بقدم مبتورة) يؤمّهم بصوت أجش:
الله أكبر…
عن كل شهيد لم نبعث قبره…
الله أكبر…
عن كل طفل مات ولم يذق طعم الحياة.
سجد أحدهم فوق بقعة دماء مجمدة على السجاد،
لم يزحزحها، بل ظن أنها شاهدة يوم الدين…
ندى (14 عامًا) تحاول لفّ جثة أخيها بملاءة،
دماء تسربت من فمه
شكّلت زهرة قرمزية على القماش الأبيض
الجارة العجوز تمسح وتقول بصوت خافت:
الموتى اليوم أكثر حظاً منا.
عائلة الطحان تبحث عن الأب تحت ركام الدار
الابن يجد يده ممسكة مسبحة
يقطع الخرز بخشونة ليستعيد رغيفين
الحاجة تصنع من الخرز خبزًا، من الذكريات أرواحاً.


