مقالات صحفية

هل يجب على الجميع أن يكون صانع محتوى؟

إيمان بنت قاسم الشرقية

شاع مصطلح صانع المحتوى في السنوات الأخيرة بصورةٍ ملحوظة، وهو نتيجةٌ حتمية لتطوّر الصناعة الإبداعية بوصفها أحد أنواع الصناعات الحديثة المبنية على ما يُطرح فيها من طاقاتٍ وأفكارٍ وأعمالٍ خارجةٍ عن الإطار الاعتيادي. فمع الهواتف الذكية والمنصات الرقمية، بات بإمكان أيّ شخصٍ أن يفتح الكاميرا ويشارك أفكاره أو يومياته مع العالم. هذا الانتشار جعل البعض يعتقد أن صناعة المحتوى هي الطريق الوحيد للنجاح، أو حتى للوجود في هذا العصر.
لكن، هل يجب فعلًا على الجميع أن يكون صانع محتوى؟ أم أنّه مصطلحٌ يقتصر على المبدعين فحسب؟

صناعة المحتوى بلا أدنى شك فتحت آفاقًا لم تكن موجودة من قبل؛ فهي تمنح الأفراد فرصة التعبير عن أنفسهم، ومشاركة خبراتهم، والتأثير في الآخرين. بل وأكثر من ذلك، أصبحت مصدر دخلٍ حقيقي لملايين الأشخاص حول العالم. منصّات مثل “يوتيوب” و“تيك توك” و“إنستغرام” خلقت اقتصادًا جديدًا يقوم على المحتوى الرقمي. ومن هنا أصبح من الطبيعي أن يشعر الكثيرون بأن الدخول في هذا المجال ضرورة، أو –على الأقل– فرصة لا ينبغي تفويتها.

لكن الحقيقة أن صناعة المحتوى ليست مهنةً أو أسلوب حياةٍ مناسبًا للجميع، لأنها تتطلّب جهدًا مستمرًّا، إذ يحتاج صانع المحتوى إلى ساعاتٍ من التخطيط، والتصوير، والمونتاج، والتفاعل مع المتابعين. بالإضافة إلى أن الظهور أمام الجمهور بشكلٍ دائم قد يسبب ضغطًا نفسيًا؛ فالنقد، والمقارنات، وحتى التنمّر الإلكتروني أصبحت تحدياتٍ يومية، وهي ضريبةٌ لا مفرّ منها في ميدان صناعة المحتوى. ومع تطور منصات التواصل الاجتماعي تتغير خوارزمياتها باستمرار، ما قد يؤثر في وصول المحتوى ويجعل النجاح غير مضمون.

الوجود الرقمي لا يعني بالضرورة أن تصبح صانع محتوى كاملًا؛ فهناك طرقٌ أخرى يمكنك من خلالها التركيز على تخصّصك وتقديم مشاركةٍ جزئية عبر هذه المنصات. فالمشاركة الجزئية تتيح لك استخدام المنصات للتواصل مع الآخرين أو مشاركة أفكارك دون أن تجعلها مهنةً دائمة، مع تخصيص وقتٍ أكبر للجانب الأهم، وهو التوسع في تخصصك بعيدًا عن ضوضاء المحتوى.

اقتراحي بالمشاركة الجزئية موجّهٌ تحديدًا للأشخاص الذين يرون في عالم صناعة المحتوى فائدةً تسويقية لهم ولخبراتهم ومهنهم، دون أن يكون هدفهم أن يصبحوا صنّاع محتوى فعليين. فوجودك الرقمي اليوم لا يقلّ أهميةً عن امتلاكك سيرةً ذاتية جاهزة للعرض، حيث إن كثيرًا من الجهات تطلب الاطلاع على حسابات التواصل الاجتماعي قبل الاطلاع على السيرة الذاتية نفسها، مثل LinkedIn وInstagram.
ومن الأبواب الأخرى المتاحة ضمن هذا الميدان: الاستفادة مما يُطرح في مواقع التواصل الاجتماعي؛ إذ يمكنك كفردٍ يسعى لتواجدٍ رقميٍّ متّزن أن تستفيد من هذه المنصات بوصفها مصدرًا للتغذية البصرية قبل أن تكون وسيلةً لعرض ما لديك.

السؤال الحقيقي هو: من هم بحاجةٍ إلى أن يكونوا صُنّاع محتوى بتواجدٍ كلي؟
روّاد الأعمال وأصحاب المشاريع هم أول الأشخاص الذين وجدوا لأنفسهم حيّزًا واضحًا في ميدان صناعة المحتوى، وذلك لبناء علاماتهم التجارية وكسب العملاء. كما أن المبدعين والفنانين يشكّلون الفئة الأكبر من هذا الميدان الجديد، وهدفهم الأول هو الوصول إلى الجمهور المستهدف لعرض أعمالهم.
أما من لا يجد نفسه في هذا المجال، فلا يجب أن يشعر بالضغط، فالعالم الرقمي يحتاج إلى أدوارٍ متعددة، وليس الجميع مطالبين بالظهور أمام الكاميرا بشكلٍ دائم أو التفرغ الكامل لذلك.

إن صناعة المحتوى مجالٌ رائع وواعد، لكنه ليس واجبًا على الجميع. المهم أن يعرف كل شخصٍ مكانه ودوره في هذا العصر الرقمي. فالبعض قد ينجح كصانع محتوى، بينما يجد آخرون قيمتهم في مجالاتٍ أخرى لا تقلّ أهمية.
وفي النهاية، لا يُقاس النجاح بعدد المتابعين، بل بمدى تحقيقك للتوازن بين شغفك وقدراتك وأهدافك الحياتية، وبمدى قدرتك على خلق التميّز الفعلي في مجالك بما يتيح لك تقديم خدمةٍ لمجتمعك تعود عليك بالنفع المعنوي من خلال تحقيق ذاتك، وبالنفع المادي من خلال التعاون مع المستفيدين مما تقدّم.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights