الفساد الإداري .. وكيف أطاح الطمع بشركة وطنية رائدة
أحمد الحراصي
من قال إن عدد مشاكلنا يفوق عددنا فهو محقٌ بالجملة. وما دام الفساد باقيًا، فسنظل نعيش على سقف أحلام غير محققة، ونشاهد دولًا تتقدمنا بمئات السنين، بينما نقبع نحن تحت الحضيض.
فكيف تكون المؤسسة ناجحة حين تكون خلفها إدارة فاشلة؟ الإدارة التي تعمل لمصلحتها الخاصة دون مراعاة مصالح موظفيها وخدمة وطنها بشكلٍ أو بآخر. ورغم وجود جمع غفير من موظفي الإدارة، إلا أن ذلك كله لا يمكن أن يُشكِّل نجاحًا للشركة حين يكون من بيده الصلاحيات فاسدًا، فيُسلب خلالها حقوق موظفين عملوا لسنين طويلة في هذه المؤسسة، ولم يألوا جهدًا في عملهم للمساهمة في ارتقائها، ثم فجأة يجدون أنفسهم في مأزق خطير بانتكاسة مؤسستهم دون مقدمات، ودون معرفة أسباب هذا الانتكاس المفاجئ.
الشركة الوطنية للصناعات الدوائية، التي تُعتبر من أبرز الشركات العاملة وأشهرها، وأقدم شركة لصناعة المنتجات الدوائية في الإنتاج المحلي، شركة تجاوزت العشرين عامًا منذ إنشائها، وحصلت على جوائز عالمية في جودة منتجاتها، واستمرت في الحفاظ على هذا الإنجاز سنوات طويلة في مقدمة الشركات العمانية، قبل أن تصل مؤخرًا إلى ذيل القائمة، وتعاني من عجز مالي يمنع تغطية نفقاتها ورواتب موظفيها لأسباب مجهولة، لم يجرؤ على توضيحها موظف واحد من إدارتها.
وسط هذا الغموض المستمر، من تأخير رواتب الموظفين الذين حاولوا كثيرًا فهم سبب هذا التأخير المفاجئ – في سابقة هي الأولى من نوعها – تقدم أحد الموظفين بشكوى إلى جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة، ليبادر بدوره إلى معرفة أسباب هذه الانتكاسة. فقد اتخذت الشركة تدابير احتياطية للحفاظ على ميزانيتها، ولكي لا تتردى الأوضاع إلى أسوأ الأحوال؛ فقد ألغت ساعات العمل الإضافية، ووقفت صرف الرواتب للموظفين إلى إشعار آخر، كما قامت بتسريح عدد من الموظفين العاملين بنظام العقود. وتوقفت حينها الزيادات السنوية والترقيات المستحقة للموظفين، حتى أن الزيادة كانت بتقدير متوسط لأغلب الموظفين؛ فقط لأن الشركة لم يكن بمقدورها إعطاء المزيد من الأموال من ميزانيتها. لقد كانت تعدُّ الأيام لنفاد هذه الميزانية.
باشر جهاز الرقابة المالية والإدارية عمله في البحث والتقصي عن سبب هذه المشكلة، واستغرق الجهاز حوالي أكثر من ستة أشهر في التدقيق، حيث تم الكشف عن جميع المستندات والوثائق الصادرة والواردة للشركة خلال الأعوام (2015-2023)، ووجد فيها فسادًا لا يمكن التساهل معه، والذي من خلاله تصدرت الشركة قائمة الشركات الأكثر فسادًا إداريًا. فقد كشف الجهاز عن قيام الإدارة بمنح منتجات مجانية تجاوزت المليون ريال دون سند قانوني، كما تم استغلال مناصب إدارية وتضارب مصالح، وعدم التزام الشركة بخطة التعمين – والذي لا يزيد فيها نسبة العمانيين عن 38% من إجمالي الموظفين، حيث يتربع الوافدون على المناصب العليا بينما تبقى المناصب الدنيا للموظفين العمانيين – أضف إلى ذلك تزوير فواتير تصدير بقيمة 6 ملايين ريال، ومبيعات وهمية تجاوزت 7.8 مليون ريال عماني، وهو رقم لا يمكن تجاهله بهذه السهولة. ثم أين دور جهاز الضرائب التابع لوزارة المالية؟ كيف مر عليهم هذا الرقم الوهمي دون أن يلاحظه أحد؟
حسب ما تم توضيحه من قبل مستشار مكتب رئيس جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة، ناصر الحوسني، أن ذلك كان بهدف إظهار إيرادات الشركة بأعلى من حقيقتها، ولإيهام بأن الإدارة التنفيذية حققت مكاسب كبيرة للحصول على مكافآت وامتيازات.
ونتيجة لذلك، قام جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة بتنفيذ إجراءات صارمة لكل من تسولت له نفسه استحلال المال العام؛ فقد تم الاستغناء عن الرئيس التنفيذي، وحظره من السفر خارج البلاد، وإلزامه برد المال المختلس إلى الشركة، وكذلك الاستغناء عن الموظفين الذين لهم يد في هذا النهب الكبير – إن جاز التعبير. وتم إصدار تعميم يمنع بعض المديرين من السفر خارج البلاد، وتحت ظل هذا التعميم لم يمنع أحدهم من الفرار عبر المطار. فكيف حدث ذلك، ومن المسؤول عن تهريبهم وهم تحت أوجه الاتهام؟ هذه الأزمة المالية التي مرت بها الشركة، والتي لم تستطع تجاوزها إلى الآن نظير الأموال الطائلة التي أُختلست، وربما استحققنا ذلك لأننا سلمنا الخيط والمخيط للوافدين، وتركنا أبناء الوطن من الكفاءات الكبيرة تُهدر. وإن هذه ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة ما دمنا نتكل على غيرنا. تصور أن شركة كبيرة كهذه كانت ستُمحى من الوجود في يومٍ وليلة بسبب عبث عابث لا يعبأ بحال وطن ولا مواطن، لولا تدخل جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة. وتم حينها تعويض الشركة لسد العجز الذي تعانيه، والذي ستحتاج فيه وقتًا طويلًا للنهوض مجددًا بعد هذا التعثر المرير الذي لم يكن يتوقعه أحد.
أنت كموظف في شركة أو في أي مؤسسة، أحسست حينها أن المؤسسة بدأت تتراجع شيئًا فشيئًا؛ تراجعًا لم تعهده من قبل: رواتب متأخرة، وترقيات محجوبة، وتصرفات غير سابقة. يجب عليك حينها أن تتقدم ببلاغ إلى جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة، والجهاز في ذلك لديه السرية الكاملة بعدم الإفصاح عن اسم المبلغ. فقد أولى السلطان هيثم اهتمامًا بالغًا بهذا الجهاز لما يقوم به من حفظ الحقوق للمواطنين وصون ممتلكات الدولة. لذا، لا تتردد في ذلك قبل أن تضيع حقوقًا، وتتردى أسرًا وأحوالًا لا يُحمد عقباها. وإن في هذه عبرة لمن شاء منكم أن يعتبر.



