الأحد: 15 مارس 2026م - العدد رقم 2855
مقالات صحفية

بين الصبر والفرج

إلهام السيابية

جلست آمال على طرف الخيمة المكتظّة بالنساء تتقبّل التعازي في أقرب الناس إليها: أختها حنان. لم تستطع أن تُخفي دموعها المتساقطة وهي تتذكّرها حين احتوتها بين أحضانها وقالت لها: “إن كنت هنا أو لم أكن، تذكّري دائمًا أن الله معك.”

كانت كلماتها بلسماً، والحنين إليها متعبًا، والشوق لا يُوصف، ولكنها احتسبت الأجر، وها هي تتجلّد بالصمت والحمد بين تلك الجموع الباكية؛ منهم من يلطم الوجوه، ومنهم من يعلو صراخه بالبكاء، أمّا آمال فكانت تحتسب الأجر بالدعاء.

تمضي الأيام والسنون وآمال لا تفكّر في نفسها أبداً. تعيش مع زوجها وأبنائها الثلاثة وابنتها في بيتٍ متواضع، تحاول أن تتقبّل حياتها الجديدة بعد وفاة أختها حنان، لكن يبقى الفقد حين تجلس وحيدة. ولذا شغلت نفسها بأمور البيت وتنظيمه ومتابعة أولادها في دراستهم، غير أن زوجها ظلّ دائم الانشغال عنها، لا تعرف أوقات رجوعه لأنه يتابع عملاً خاصًّا به. حاولت أن تسأله عنه، لكنه رفض بحجّة أنه يريد أن يفاجئها، وبالفعل أحضر لها “امرأة أخرى” لمشاركتها فيه.

تعرفت عليها آمال عزّ المعرفة، إذ لم تكن غريبة عنها، بل كانت من أعزّ صديقاتها. من هنا بدأت آمال تفقد الثقة في كل شيء؛ صديقةٌ وثقت فيها، وأدخلتها بيتها، وأطعمتها من طعامها، فأخذت منها حتى حبّ أبنائها.

كادت أن تسقط في هاوية الوساوس، ولم تعرف ماذا تفعل.

تذكّرت كلمات أختها: “تذكّري أن الله معك.”

توضأت، وفرشت سجادتها، وبدأت في صلاة الشكر والحمد على عطايا الرحمن. لم تشعر بنفسها إلا وهي تبكي بحرقة وهي تسجد وتقول في دعائها:

“ماذا فعلتُ بنفسي؟! نسيتُ أني وكلتك أمري، وأنت تعلم ما هو خير لي. نسيتُ أن الأمر بيدك، وأن لا حول ولا قوة لي. ارحمني وتولّني فيمن تولّيت، وارضَ عني، فما لي سواك حبيب ولا قريب ينظر لحالي ويسمع شكواي، وييسّر أمري وينصرني ويقضي حاجتي…”

واسترسلت آمال في دعاء طويل، ولما انتهت أحسّت بهدوءٍ وراحة بال، وأخذت على نفسها ألّا تغضب، لأنها وكّلت أمرها لله، وهو حسبها.

بعد عدة أيام، اتصلت بها هند، إحدى أعزّ صديقاتها في الجامعة، وطلبت لقاءها في مقهى قريب، كانتا ترتادانه دائمًا بعد انتهاء المحاضرات.

وجدتها تنتظرها، وكان اللقاء حميميًا احتاجت إليه آمال في وقتٍ ابتعد عنها فيه الجميع.

كان لقاءً جميلاً، واقترحت هند عليها أن تعمل معها في شركتها الجديدة، فهي لا تثق بأحدٍ من زميلات الدراسة إلا بها لتكون لها سندًا وعونًا.

تأملتها آمال كثيرًا في صمتٍ، واغرورقت عيناها بالدموع. سبحان مقلّب الأمور، كانت بالفعل تبحث عن عمل في تلك الفترة، ولكن زوجها حين علم بذلك رفض، وأصرّ على بقائها في البيت.

قالت له بحزن:

– لا تُجبرني على أمر لا أريده!

فأجابها بغضب:

– ماذا تريدين أن تفعلي؟ أتهجرينني وتبتعدين عني؟ لقد أصبحتِ غريبة منذ زواجي الثاني!

قالت:

– لم أتغيّر، ولكنك أنت تغيّرت! أصبحتَ شحيح المال، بخيل النفس، غاضبًا بلا سبب، غافلًا عن بيتك! متى كانت آخر مرة تفقدتَ فيها ثلاجتنا أو سألتَ عن حالنا؟!

رويدك يا زوجي، فما زلتُ أصون عشرتك، وأحفظ غيبتك، وأطوي ملابسك، وأنظّم فراشك، وأدعو الله أن يعيدك إلى صوابك. فلا تكن عليَّ معينًا، بل كن لي عونًا.

وأخذت تبكي، لكنه صمت قليلاً ثم تطاير الشرر من عينيه وقال:

– المال مالي، أنفق به على من أشاء! اسمعي، أنا أُخَيّركِ: إمّا أنا، أو العمل!

وخرج من البيت.

وها هي هند تضعها الآن على طريقٍ لابد لها أن تسلكه. لم تكن آمال غاضبة حين تزوّج عليها زوجها، لكنها تألمت حين نسي مسؤولياته وأهمل بيته، فبحثت عن عملٍ لتصون نفسها من سؤال الآخرين. وافقت دون تردد، وبدأت العمل مع هند بداية جديدة بالفعل. لكن زوجها حاول أن يجبرها على ترك العمل، مهددًا إياها بين الأبناء أو العمل!

كان صراعًا مريرًا… أبناؤها الذين حملت بهم وتعبت وربّت وعلمت!

كادت أن توافق على ما أراد، لكن ابنتها الصغيرة، ذات التسع سنوات، احتضنتها قائلة:

– أمي، لا تضعفي أمامه، نحن نحبك.

هنا أمسكت آمال بيد ابنتها وقالت لزوجها:

– في النهاية سأكون مطمئنة ما داموا معك، فأنت أبوهم وهم سندك.

نظر إليها بغضب، وأخذ ابنته وخرج من البيت.

بعد أيام، جاءها أمر بإخلاء الشقة لأنها بالإيجار، وبما أن زوجها لم يدفع الإيجارات المستحقة، أعطوها مهلة قصيرة لإخلائها.

استطاعت أن تحصل على شقة صغيرة بجانب العمل، واستمرت في النجاح من إنجازٍ إلى آخر، حتى اشترت شقة باسمها وبدأت في ترتيب حياتها من جديد، غير أن قلبها ظلّ يفتقد أبناءها.

بعد أربع سنوات من طلاقها، جاءها اتصال من طليقها يريد أن يراها، فوافقت.

انتظرته بلهفةٍ في مقهى قريبٍ من العمل، وفي البداية لم تعرفه؛ كان ضئيل الجسد، مهمل المظهر، مبعثر الشعر، وكأنه ليس هو. اقترب منها متأملاً حالها وقال:

– تبدين رائعة.

شكرته وجلست، فبدَا متردّدًا وهو يقول:

– سامحيني، أرجوك سامحيني. لم أكن على علمٍ بما يحدث لي، وكأنني شخص آخر. الحمد لله أنك بخير، لكن أريد أن أطلب منك معروفًا.

– تفضل!

– أبنائي… أقصد أبناءنا، هل تودين أخذهم؟

– هل أنت متأكد؟

– نعم، لقد تركتني زوجتي بعد أن خسرتُ كل مالي بسببها، وأخاف على أبنائي من الضياع. فأنتِ في نهاية الأمر أمهم، أما أنا فسيتولاني الله برحمته. أستحقّ ما يحدث لي، لقد ظلمتك كثيرًا، سامحيني أرجوك.

– هل أنت جاد؟

– نعم. أحضرت أغراضهم في حال وافقتِ، وسأحضرهم في وقتٍ لاحق.

– بالتأكيد موافقة. وأنت، ماذا سيحدث لك؟

– لا تهتمي لأمري، فهذا عقاب الله لي لأنني خذلتكِ.

ثم اختفى… كما ظهر.

الحمد لله، الحمد لله…

ها هم أبناؤها حولها، تراقبهم بهدوءٍ ولطف، وتحمد الله في كل وقت، لقد ردّ الله إليها ضالّتها

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights