أقلامنا ترتجف
ناصر بن خميس الربيعي
في ردهات الصمت، في زمنٍ فُقِدت بوصلته، حيث تراكمت الأوراق كأوراق الخريف الذابلة، ترتجف أقلامنا؛ ليست رجفةُ برد قارس يلفّ أصابعنا، بل رجفةٌ تنبع من عمق الروح، من وهج الكلمات المحتبسة في حناياها، المحتبسة في قلوبنا التي ملّت الصمت، حتى ملّ منها الصمت، من صدى الأفكار التي تبحث عن أذن صاغية وقلب متلقٍّ؛ ترتجف أقلامنا، لا خوفًا من ريب الزمان، بل حزنًا على رفوف الكتب الشاغرة، وعلى الأبصار التي ما عادت تتقن فن الترحال بين السطور، فن قراءة ما وراء الكلمات.
كانت الكلمات يومًا كالجداول الرقراقة، تروي عطش العقول وتنعش الأفئدة اللاهفة للمعرفة، كانت الكتب صروحًا شامخةً، يؤمها كل ظمآن للمعرفة، وكلّ تواق للحكمة، يبحث عنها الحالم بالمستقبل الزاهي البهي، أما اليوم، فباتت الكلمات تئنّ في محابسها، والكتب تتوسد الغبار، كأنها أطلال حضارة اندثرت، أو بقايا قصص لم يكتمل فصلها الأخير.
ننظر حولنا، نتابع الجمهور، ونسير مع الحشود المجتمعة طمعاً في لقاء باحثٍ عن المعرفة، فنجد الأعين تتسمر أمام الشاشات اللامعة، تتوهج بإشراقة زائفةٍ، توحي إليك بأنها حازت الدنيا، سرعان ما تبتلعها تيارات سريعة من المعلومات المجتزأة، التي شكلت نصف إنسان، بل نصف روح، تتسابق الأنامل على لوحات المفاتيح، تكتب سطورًا عابرة، وتختزل المعاني في رموز باهتة، أين هي تلك الأعين التي كانت تتوهج ببريق الفهم، تتأمل الصفحة كما يتأمل الرسام لوحته، أو يتأمل العاشق محبوبه؟
أين القراء؟ أولئك النبلاء الذين كانوا يجدون في كل حرف عالمًا، وفي كل كلمة فضاءً لا متناهيًا؟ أين هم عشاق الروايات التي تسافر بهم عبر الزمن والمسافات؟ أين هم المتيمون بقصائد الشعر التي تشعل الوجدان وتوقد شرارة الإلهام؟ أين الفلاسفة الذين يتأملون الكون في طيات كتاب، والعلماء الذين يكشفون أسراره بين دفتيه؟
لقد صار القلم، الذي كان رفيق الدروب، وشاهد العصور، وصانع الحضارات، يتيمًا في زمن التيه، في زمنٍ تساقطت أوراقه حتى بات الإنسان عوداً تتقاذفه الرياح، باتت الحبرة تجفّ قبل أن تروي غليل الورق، وباتت الأفكار تتبدد قبل أن تتجسد في نصٍ متسامٍ، نشعر وكأننا نخطّ في رمال متحركة، أو على شاطئ تغزوه الموجة تلو الأخرى، فما نكتبه اليوم تمحوه أمواج الغد، وما نصوغه من جمال يتلاشى في زحمة الرتابة في رفوف النسيان.
ولكن، رغم هذه الرجفة، ورغم هذا الألم، ما زالت أقلامنا تنبض بأمل خفي، أملٌ بأن تعود الأعين لتلامس السطور بشغف، وأن تعود القلوب لتتذوق حلاوة الكلمات، أملٌ بأن تتفتح الأزهار في بساتين المعرفة من جديد، وأن يرتفع صرح القراءة شامخًا، يهتدي به الضال، ويستنير به العقل، فهل من أمل؟ وهل من عودة إلى رحاب الكلمة، إلى سطورٍ باتت تتجرع ألم الفراق؟ فيا من يقرأ كلماتي المتساقطة من أنامل ترتجف خوفاً وطمعاً، قف قليلاً وقفةً تعيد فيها بوصلة الأمل إلى مكانها، فيسعد بها قلبٌ يتوق إلى الحياة.



