نقطة أول السطر : العِقد الذي تهادى على جيدها

عادل بن حميد الجامعي
من جمال صامت في جيد عذب، إلى صخب مشتعل في خاصرة العالم..
العِقد ليس زينةً فحسب، بل بيان مكتوم، وصفحة بيضاء تستقر على جيد امرأة، تخطّ الحياة فوقها حكايتها.
حين يُغلق قفله عند موضع النحر، لا يُغلق زينةً فقط، بل يُغلق على أسرار كاملة، تتهامس فيها الذات، الهوية، والحضور. ذلك العِقد الذي يتمايل على كتفيها لا يتدلّى لمجرد التجميل، بل يترصّد نبضها، يعانق سكونها، ويمضي كالنسيم: لا يُحدث صوتًا، لكنك، لو أرهفت السمع، لسمعت التاريخ يُعيد نفسه بهدوء.
وحين تمشي، لا يهتز وحده، بل تهتز معه خرائط خفية، وخرائط أخرى تتربّص في العالم. فالجمال، حين يلامس الوعي، يُحدث انقلابًا يفوق كل الانقلابات.
تخيّل أن ذلك العقد، الهامس في جيد الحبيبة، هو نفسه النبض الذي بدأت به *غزة* تكتب السطر الأول في ملحمة السابع من أكتوبر. غزة لم تكن تبحث عن زينة، بل عن قفل تُغلق به خيانات الزمان، وعن سلك تجمع به كرامة أمة تناثر لؤلؤها منذ عقود.
وحين دوّى زئيرها، لم يكن صراخًا، بل كان ارتجافًا ناعمًا يشبه تحرّك العقد على صدر عاشقة. كلّفنا هذا الزئير الكثير، لكنه زلزل العالم، وأعاد صياغة مفاهيم السياسة من جديد.
في مسار تلك الحرب، التي بدأت من زناد صغير في *غزة* وامتدت إلى قلب *طهران* في اثني عشر يومًا، كان خيط المقاومة هو الخيط ذاته الذي يربط العِقد على جيدها: رفيع، لكنه متين؛ صامت، لكنه مزلزل.
إيران، حين أطلقت صواريخها، لم تكن تُعلن ردًّا فحسب، بل كانت تُتمم الجملة التي بدأت في حي الشجاعية. كانت تقول: *نحن أيضًا نملك عِقدًا، لكنه ليس من لؤلؤ، بل من نار وحديد، موضوع على صدر أمة.
وهكذا تتقاطع القصتان: امرأة تتجمّل بعقد، وأمة تتوشّح بمقاومة. في الحالين، لا يدور الأمر حول التجمل، بل حول الكرامة، الاختيار، والحق في أن يُرى الجمال كما هو: حرًّا، ثابتًا، مقاومًا.
العِقد لا يزيّن، بل يشهد.. على التي مرّت من هنا، على من بقي، وعلى من قاوم. وفي غزة، كما في جيدها، الشهادة ليست موتًا، بل ذروة الحياة.
فلننظر إذن: هل رأيتم كيف تبدأ الحكايات بلؤلؤة على النحر، وتنتهي بقذيفة على عاصمة؟ هل رأيتم أن من يعرف كيف يُحسن وضع العقد، يعرف كيف يُحسن شدّ الزناد؟
هذا هو الدرس..
الجمال ليس نقيضًا للقوة، بل هو قوتها حين تصمت، وكرامتها حين تفيض. ومن اختارت عقدها، تختار أيضًا متى تمشي، متى تتوقف، ومتى تُعلن الحرب.
في النهاية، كل عِقد على جيد أنثى هو خريطة: بعضها يقود إلى القلب، وبعضها يقود إلى الثورة.
وغزة..
وضعت قفلها عند نحر الأمة، وأقسمت ألا تُنزله حتى يُعاد ترتيب العالم من جديد.
نصر الله غزة العزة، وكافة بلاد المسلمين. اللهم آمين.



