إلى أين تأخذنا يا نفاق

عائشة بنت سليمان القرطوبية
إلى أين تأخذنا يا نفاق؟
إلى أي طريق، إلى أي وجهة تأخذنا؟
إلى أي مرسى، إلى أي محطة تصل بنا يا نفاق؟
أصبحتَ يا نفاق مَسلَكًا ودربًا للبشر،
طريقًا ممهدًا مفروشًا بالورود للوصول إلى قلوب الناس،
سلَّمًا مريحًا للوصول إلى عقول الناس،
نفقًا للوصول إلى المراد والمصلحة.
في هذا الزمان،
أضحى المنافقُ الحبيبَ، الطيبَ القريب،
الخلوقَ الكريمَ، الشهمَ الرحيم،
المحبوبَ من الجميع.
وأصبح الصريحُ الذي لا يعرف النفاقَ
مغرورًا حقودًا حسودًا منبوذًا من الجميع،
أصبح من يتحدث بالصدق والحقيقة
عدوًّا للجميع، غير مرغوب فيه ولا مرحَّب به،
لأنه لا يعرف التصنعَ بالخبث والمكر.
أصبح المنافقُ البطلَ المحبوب،
سيدَ المواقف الذي يكسب القلوب.
إلى أين تأخذنا يا نفاق،
في زمنٍ ضاع فيه الصدقُ والحقيقة،
ضاعت فيه الصراحةُ والنصيحة؟
في زمنٍ غير واضحٍ فيه الصالحُ من الطالح،
في زماننا، ما عُدنا نفرّق بين المخلص والمخادع،
بين المتفاني والمهمل.
بات النفاقُ ظاهرةً شائعةً لتقديم المصلحة الشخصية على مصالح الآخرين،
دون مراعاةٍ للضرر الذي يُصيب الغير.
فالمنافقُ ضعيفٌ أخلاقيًّا،
يتخذ التدينَ والالتزامَ وسيلةً لنفاقه،
يأمر بالامتناع عن الكذب وهو يكذب،
وينهى عن الفساد وهو أكثر فسادًا وسوءًا،
يركز على أخطاء الآخرين ليقدّم النصح،
يلوم شخصًا على كذبه بينما هو أكثر كذبًا،
يتعامل مع الآخرين حسب طبقاتهم الاجتماعية،
فيظلم المتوسطين والفقراء، ويتملّق ذوي السلطة بمعاملةٍ أفضل.
يقدّم النصيحةَ للآخرين دون العمل بها،
يدعو إلى التسامح المزيَّف بينما يؤنّب المخطئين في حقه،
يضع شروطًا وقواعدَ دون الالتزام بها،
ويدَّعي الأخلاقَ والفضيلة،
يُرغم الآخرين على فعل ما لا يرغبون،
يستبدل رأيه لنيل استحسان الآخرين وهو على غير ذلك،
ينتقد تصرفاتهم رغم قيامه بمثلها،
ويساعدهم فقط إذا كانت له مصلحة شخصية،
يتحدث عن أهمية اتباع الأخلاق بينما لا يلتزم بها.
وقد يشكّل النفاقُ خطرًا على المنافق نفسه،
إذ يرى نفسه الأفضل، ويحاول إقناعَ نفسه والآخرين بذلك،
حتى يصل به الأمر إلى حد المرض والإصابة بحالة نفسية سيئة.
يتسبب النفاقُ في ابتعاد الأفراد عن القيم والمبادئ والعدل،
وانتشار الكراهية والحقد بين أفراد المجتمع،
وظهور التباهي بين فئاته وفقدان الثقة بالآخرين.
وقد يُحرم المنافقُ من السعادة والرضا بسبب سعيه الدائم وراء الكمالية،
والكمالُ لله وحده، فمهما بلغ الإنسانُ من سلطةٍ وعلمٍ ومالٍ وجمال،
يظل الكمالُ مقرونًا بالنقص، لا مخلوقٌ بالغُه.
فيجب أخذُ الحذر والحيطة من المنافق، والتزامُ الاتزان في التعامل معه،
وتجنُّب التعصب لتصرفاته، وتجاهلُه، وقضاءُ وقتٍ أقل معه لتفادي الخلافات.
اللهم طهّر قلوبَنا من النفاق، واكفنا شرَّه.
