( قصة) الصديقان .. الفصل العاشر

فايل المطاعني
بعد الانتهاء من واجب الضيافة، اقترحت السيدة صفية أن يخرج الجميع إلى الحديقة، حيث الأجواء الجميلة والممطرة، فقد زادت زخات المطر من بهاء الزهور ونضج الثمار، فأصبحت الحديقة كأنها لوحة مرسومة بألوان الطبيعة.
قالت السيدة صفية، وهي تنظر إلى عمر بعدما قدّم لها مخرجًا قانونيًا لمشكلتها مع المقاول:
– ما شاء الله، محامٍ بارع.
ثم أشارت إلى سهام وأضافت:
– لم تُخطئ ابنة أختي سهام عندما اقترحت الاستعانة بك. هي كثيرًا ما تمدحك.
أطرق عمر رأسه خجلًا وقال:
– سيدتي، الإنسان الجميل يرى الآخرين في نفس صفائه ونبله… هكذا هم النبلاء.
نظرت إليه سهام نظرةً جعلت قلبه يقفز من مكانه، لكن منى شعرت بوخزة غيرة فبادرت بمقاطعة والدتها قائلة:
– حتى الأستاذ محمد في منتهى الأناقة.
نظر محمد إلى نفسه وقد اخضرّ وجهه خجلًا، لكن قلبه كان يخفق فرحًا… فقد لاحظت منى أناقته، وأشادت بها.
بدأ الصديقان يتأملان الحديقة بدهشة، ففيها من الزهور والفاكهة ما يبهج النفس.
قال محمد هامسًا لصديقه:
– فعلًا… اسم على مسمّى، “مزرعة النعيم”.
تقدم عمر فقطف أربع وردات، وأهداها لكل من منى، وابنة خالتها سهام، والسيدة صفية التي كانت واقفة عند مدخل الفيلا، وأخيرًا مها، الأخت الصغرى لمنى.
ثم قال بنبرة مسرحية:
– لقد أصبح بيننا الآن عيش وملح… أقصد طاجين لحم بالبرقوق والمشمش واللوز المحمّر، مرشوش من فوقه بالسمسم!
ثم أضاف ضاحكًا وهو ينظر إلى منى:
– كل هذا الأكل، وفي النهاية تقولين الأستاذ محمد!؟
وتابع:
– وأكيد محمد، كمجاملة، سيقول: أخت منى!
ضحكت السيدة صفية، وابتسمت سهام، بينما غطّت منى وجهها بيدها خجلًا، أما مها فقد كانت منشغلة بتصوير الزهور وملاحقة قطرات المطر المتناثرة.
ثم ناول عمر سهام وردة حمراء وقال ضاحكًا:
– أعزائي، فلنجعل البساط أحمدي. منى، قولي “محمد” من غير ألقاب، وأنت يا أستاذ محمد، قُل لها “منى” بلا ألقاب.
تدخل محمد، مشيرًا إلى نفسه ضاحكًا:
– لا لا، صبري… هو ليس فقط محمد. قولي “محمد صالح”، فالاسم مركّب؛ جدي من أبي اسمه صالح، وجدي من أمي اسمه محمد. يعني الأستاذ محمد عنده اسمين بس، ما عمل أزمة أسماء!
انفجر الجميع ضاحكين، وشعر محمد براحة كبيرة، فقد كسر عمر بأسلوبه المرح حاجز الصمت الذي دام سنوات.
همس محمد إلى صديقه:
– والله هذا جميل… لن أنساه لك.
فربت عمر على كتفه وقال:
– أما أنا، فسأتحدث مع هذا الغزال الجميل.
وأشار إلى سهام.
استغرب محمد وسأله:
– تعرفها؟ أحسست أن بينكما معرفة قديمة.
أجاب عمر بهدوء:
– نعم، هي إحدى زبائن مكتبي.
ضحك محمد وقال:
– الآن اتضحت الرؤية! هي نفسها الفتاة التي كنت معها ليلة أمس! صدق من قال: “الذئب لا يهرول عبثًا”.
اقترب عمر منه وضحك:
– اصمت، رحم الله والديك… حتى لا تسمعك! اذهب إلى حبيبة القلب، وافتح لها قلبك، واتركني مع ابنة خالتها.
أضاف مبتسمًا:
– لديها مشكلة، وسنحاول حلها. ليس من الذوق أن نظل نحن نتحدث وهنّ يجلسن وحدهن… ألسنا نُشبه العجائز في العزاء؟ كل اثنتين يجلسن لوحدهن!
ثم أكمل ممازحًا:
– هيا، اذهب، وإلا سأخطفها منك!
ضحك الاثنان، وكل واحد منهما اتّجه نحو طريقه… لكن، تُرى، ماذا يخبئ لهما القدر؟
يتبع…
من الأمثال العربية المعروفة: “الذئب لا يهرول عبثًا.”


